المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١٢ - فصل ١١ فى أنّ واجب الوجود واحد من وجوه شتى، و البرهان على أنّه لا يجوز أن يكون اثنان واجبى الوجود
بذاته فقط، فلا يخالف مثله بالعدد، فلا يكون إذا له مثل، لأنّ المثل مخالف بالعدد.
فبيّن من هذا أنّ واجب الوجود لا ندّ له، و لا مثل، و لا ضدّ، لأنّ الأضداد متفاسدة و مشتركة فى الموضوع، و هو واجب الوجود، بريء عن المادّة.
[فصل ١١] فى أنّ واجب الوجود واحد من وجوه شتى، و البرهان على أنّه لا يجوز أن يكون اثنان واجبى الوجود
و أيضا فهو تامّ الوجود، لأنّ نوعه له فقط، فليس من نوعه شىء خارجا عنه، و أحد وجوه الواحد أن يكون تامّا، فانّ الكثير و الزائد لا يكونان واحدين.
فهو واحد من جهة تماميّة وجوده؛ و واحد من جهة أنّ حدّه له؛ و واحد من جهة أنّه لا ينقسم، لا بالكم، و لا بالمبادى المقوّمة له، و لا بأجزاء الحدّ؛ و واحد من جهة أنّ لكلّ شىء وحدة تخصّه و بها كمال حقيقته الذاتيّة. و أيضا فهو واحد من جهة اخرى، و تلك الجهة هو أنّ مرتبته من الوجود- و هو وجوب الوجود- ليس إلّا له.
و لا يجوز أن يكون وجوب الوجود مشتركا فيه. و لنبرهن على هذا فنقول:
إنّ وجوب واجب الوجود: إمّا أن يكون شيئا لازما لماهيّة، تلك الماهيّة هى التي لها وجوب الوجود. كما نقول للشىء: إنّه مبدأ، فيكون لذلك الشىء ذات و ماهيّة، ثمّ يكون المبدأ لازما لتلك الذات. كما أنّ إمكان الوجود قد يوجد لازما لشىء له فى نفسه معنى، و نقول: ممكن الوجود، لشىء له فى نفسه معنى، مثل أنّه جسم او بياض أو لون، ثم هو ممكن الوجود. [و إمكان الوجود يلزمه] و لا يكون داخلا فى حقيقته.
و إمّا أن يكون واجب الوجود بنفس كونه واجب الوجود هو واجب الوجود، و يكون نفس وجوب الوجود طبيعة كليّة ذاتيّة له. فنقول أوّلا: إنّه لا يمكن أن يكون وجوب الوجود من المعاني اللازمة لماهيّته، فانّ تلك الماهيّة حينئذ تكون