نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٤٦ - في سجن الرجال
نزلوا على حكم رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فحبسهم بالمدينة في دار بنت الحرث، امرأة من الأنصار، ثم خرج رسول اللّه إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم أرسالا» [انظر سيرة ابن هشام ج ٢/ ٢٤٠].
قال الماوردي في الأحكام السلطانية؛ الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، و إنما هو تعويق الشخص و منعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد أو كان يتولى نفس الخصم أو وكيله عليه ملازمته له، و لهذا سماه النبي (صلى الله عليه و سلم) أسيرا، كما روى أبو داود و ابن ماجه عن الهرماس بن حبيب عن أبيه قال: أتيت النبي (صلى الله عليه و سلم) بغريم لي فقال لي: الزمه ثم قال لي: يا أخا بني تميم ما تريده أن تفعل بأسيرك؟
و في رواية ابن ماجه: ثم مرّ رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في آخر النهار فقال ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم؟ و هذا كان هو الحبس على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و أبي بكر الصديق. و لم يكن له محبس معد ليحبس الخصوم.
و تنازع العلماء هل يتخذ الإمام حبسا على قولين: فمن قال لا يتخذ حبسا احتج بأنه لم يكن لرسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و لا لخليفته بعده حبس، و لكن يعوضه [١] بمكان من الأمكنة أو يقيم عليه حافظا و هو الذي يسمى الترسيم، أو يأمر غريمه بملازمته، و من قال: له أن يتخذ حبسا احتج بفعل عمر.
و أما الحبس الذي هو الآن فإنه لا يجوز عند أحد من المسلمين، و ذلك أنه يجمع الجمع الكثير، في موضع يضيق عنهم غير متمكنين، من الوضوء و الصلاة و قد يرى بعضهم عورة بعض، و يؤذيهم الحر و الصيف.
و قال الإمام أبو عبد اللّه بن فرج مولى ابن الطلاع في كتاب الأقضية: اختلف أهل العلم هل سجن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و أبو بكر أحدا قط أم لا؟ فذكر بعضهم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) لم يكن له سجن و لا سجن أحدا قط، و ذكر بعضهم أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) سجن في المدينة في تهمة. رواه عبد الرزاق و النسائي في مصنفيهما من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، و ذكر أبو داود عنه في مصنفه قال: حبس رسول اللّه ناسا من قومي في تهمة بدم، و بهز بن حكيم مجهول عند بعض أهل العلم، و أدخله البخاري في كتاب الوضوء فدل على أنه معروف.
و في غير المصنف عن عبد الرزاق بهذا السند أن النبي (صلى الله عليه و سلم) حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار ثم خلّى عنه.
و وقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح أيوب بن سليمان، أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)
[١] هكذا في الأصل! و ينبغي وضع كلمة بمعنى: يلزمه. أو يعوقه. فلتحرر.