نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٧٦ - باب في الرسول (السفير) و فيه فصول فصل في صفات رسله
بينهم سجالا تارة له و تارة عليه، قال له المقوقس: النبي يغلب؟ فقال له حاطب: فالإله يصلب؟ يشير بذلك إلى ما تزعمه النصارى من أن المسيح (عليه السلام) صلب مع دعواهم فيه أنه إله؟
و في ترجمة سيدنا عبادة بن الصامت من الاستبصار للموفق بن قدامة، روي أن المقوقس صاحب مصر بعث إلى عمرو أن أبعث لي رسلا أكلمهم، فبعث إليه نفرا منهم عبادة بن الصامت، و أمره أن يكون هو المتكلم، و كان عبادة أسود شديد السواد، فلما دخلوا على الملك تقدم عبادة، فقال الملك: ما فيكم من يتكلم غير هذا؟ فقال القوم: هو أفضلنا و أقدمنا صحبة لنبينا، و مع هذا فقد أمره أميرنا. هو المتكلم قال: فليتقدم إذا. فإنما هبته لسواده. فقال عبادة: فإن كنت هبتني لسوادي و قد ولى شبابي، و ذهبت قوتي فكيف بك لو رأيت عسكرنا و فيه أكثر من ألف أشد مني سوادا، و أقوى أبدانا و أعظم أجسادا؟
فطلب منه الملك الصلح. فقال عبادة: إنا لا نقبل منكم إلا إحدى خلال ثلاث: إما أن تسلموا، فتكونوا إخواننا، لكم ما لنا و عليكم ما علينا، و إما أن تؤدوا الجزية إلينا،.
و تعتقدوا منا الذمة، فنقبل منكم و نكف عنكم، و إما أن تبرزوا لنا حتى يحكم اللّه بيننا و بينكم. فقال الملك: لا تقبلوا غير هذه الخلال الثلاث؟ فرفع عبادة يديه فقال: لا و رب السماء، لا و رب هذه الأرض، لا نقبل منكم غيرها. فقال الملك لأصحابه: ما ترون فيما قال؟ فأبوا. فقال الملك: و اللّه لئن لم تقبلوا منهم إحدى هذه الخلال قبل قتل الرجال و سبي الحريم، لتقبلنه منهم بعد ذلك و أنتم راغمون فصالحهم.
و وجه عمر عبادة إلى الشام قاضيا و معلما ا ه.
ثم استطرد القلقشندي، أن بعض ملوك الروم كتب إلى خليفة زمانه يطلب منه من يناظر علماء النصرانية عنده، فإن قطعهم أسلموا، فوجه إليهم بالقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني المالكي، فلما حضر المجلس، و اجتمع لديه علماء النصارى قال له بعضهم: إن معتقدكم أن الأنبياء معصومون في الفراش، و قد رميت عائشة بما رميت به، فإن كان ما رميت به حقا كان ناقضا لأصلكم الذي أطلقتموه في عصمة الأنبياء في الفراش. و إن كان غير حق كان مؤثرا في إيمان من وقع منه. فقال له القاضي، أبو بكر: امرأتان حصينتان رميتا بالفرية؛ إحداهما لها زوج و لا ولد لها. و الأخرى لها ولد و لا زوج لها. يشير بالأولى إلى عائشة، و بالثانية إلى مريم فسجدوا له على عادة تحيتهم في ذلك. و قد رأيت في ترجمة الباقلاني من تاريخ الإسلام للحافظ الذهبي هذه القصة على وجه آخر؛ و ذلك أنه ذكر أنه جرت له أمور منها؛ أن الملك أدخله عليه من باب خوخة ليدخل راكعا للملك، ففطن لها و دخل بظهره و منها أنه قال لراهبه: كيف الأهل و الأولاد فقال له الملك: أ ما علمت أن الراهب يتنزه عن هذا؟ فقال: تنزهونه عن هذا و لا تنزهون اللّه عن الصاحبة و الولد؟
و قيل: إن طاغية الروم سأله كيف جرى لعائشة. و قصد توبيخه فقال: كما جرى