نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٨٦ - ذكر الفرق بين الخليفة و الملك و السلطان من حيث الشرع و الاصطلاح
له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة. فاستعبر عمر، و خرّج أيضا عن عمر قال: و اللّه ما أدري أ خليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم. قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا. قال:
ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا و لا يضعه إلا في حق، و أنت بحمد اللّه كذلك و الملك يعسف الناس فيأخذ من هذا و يعطي هذا فسكت عمر، و أما السلطان من حيث الاصطلاح فقال ابن فضل اللّه في المسالك: ذكر علي بن سعيد أن الاصطلاح أن لا تطلق هذه التسمية (السلطان) إلا على من يكون في ولايته ملوك، فيكون ملك الملوك فيملك مثلا مصر و أهل الشام أو مثلا إفريقية و الأندلس، و يكون عسكره عشرة آلاف فارس أو نحوها فإن زاد بلادا أو عددا في الجيش كان أعظم في السلطنة، و جاز أن يطلق عليه السلطان الأعظم، فإن خطب له في مثل مصر و الشام و الجزيرة و مثل خراسان و عراق العجم و فارس و مثل إفريقية و المغرب الأوسط و الأندلس كان سمته سلطان السلاطين كالسلجوقية ا ه انظر حسن المحاضرة و تاريخ القرماني ص ٢٢١.
«لطيفة» و في مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية أن أبا جعفر المنصور أحضر ليلة عبد اللّه بن علي و صالح بن علي في نفر معهما فقال عبد اللّه بن علي يا أمير المؤمنين إن عبد اللّه بن مروان لما هرب إلى بلاد النوبة [١] جرى بينه و بين ملكها كلام فيه أعجوبة سقط عني حفظه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يرسل إليه بحضرتنا، و يسأله عما ذهب عنا، و كان في الجيش. فأرسل إليه أبو جعفر فلما دخل قال له: أخبرني بحديثك و حديث ملك النوبة. قال: يا أمير المؤمنين هربت بمن تبعني بأثاث سلم لي إلى بلاد النوبة، فلما دخلت بلادهم فرشت تلك الأثاث، فجاء أهل النوبة ينظرون معجبين إلى أن بلغ الخبر إلى ملكهم فجاءني فلما وصل قعد على الأرض قال: إنكم تشربون الخمر و هو محرم عليكم، فقلت: عبيدنا و أتباعنا يفعلون ذلك بالجهل منهم. فقال: فلم تلبسون الديباج و الحرير، و تتحلون الذهب و هو محرم عليكم؟ فقلت: زال عنا الملك و انقطعت المادة و استنصرنا بقوم من الأعاجم كان هذا زيهم فكرهنا الخلاف عليهم، فأطرق يقلب يده و يقول: عبيدنا و أتباعنا و أعاجم دخلوا في ديننا. يكرر الكلام على نفسه. ثم نظر إليّ و قال: ليس ذلك كما تقول، و لكنكم قوم ملكتم فظلمتم، و تركتم ما به أمرتم، و ركنتم إلى ما عنه نهيتم، فسلبكم اللّه العز و ألبسكم الذل بذنوبكم، و للّه فيكم نقمة لم تبلغ غايتها بعد، و إني أخاف أن تنزل بكم النقمة، و أنتم ببلدي فتصيبني معكم، فارتحلوا عن جواري، فقام أبو جعفر و قيد من كلامه قال تعالى: وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [الإسراء: ١٦] ا ه.
و قد ذكر القصة بمعناها أيضا المسعودي في مروج الذهب، ثم ابن خالدون في مقدمة
[١] بلاد النوبة هي في أقصى الصعيد المصري. مصححه.