نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٨٣ - الخلافة
بذلك لما رأى من ضعف أمر الخلفاء العباسيين ببغداد، إذ لقب نفسه أمير المؤمنين، و أورث من عقبه هذا اللقب، و استهل خطيبه بجامع قرطبة خطبة الجمعة بذلك سنة ٣١٦، و أنفذ منشوره بذلك لعماله جاء فيه: و قد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين، و خروج الكتب عنا و ورودها علينا بذلك، إذ كل مدعو لهذا الاسم منتحل له و دخيل و متسم بما لا يستحقه، و علمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه و اسم ثابت أسقطناه، فمر الخطيب لموضعك أن يقول به، و أجر مخاطبتك لنا عليه ا ه.
و لما قام عبيد اللّه المهدي أول ملوك العبيديين بإفريقية تسمّى بأمير المؤمنين لأنه كان رأى أنه أحق بالخلافة من بني العباس المعاصرين له بالمشرق، قال صاحب تاريخ دول الإسلام: فهو أول من زاحم الخليفة بهذا اللقب ا ه ثم تبعه على ذلك عبد الرحمن الناصر الأموي صاحب الأندلس، و رأى أن له الحق في الخلافة، اقتداء بسلفه الذين كانوا خلفاء بالمشرق، ثم لم يتجاسر أحد لا من ملوك العجم بالمشرق، و لا من ملوك البربر بالمغرب على التلقب بأمير المؤمنين، لأنه لقب الخليفة الأعظم القرشي، إلى أن جاءت دولة المرابطين و كان منهم يوسف بن تاشفين و استولى على المغربين، و الأندلس و عظم سلطانه و اتسعت مملكته، و خاطب الخليفة العباسي بالمشرق، فولاه على ما بيده و تسمى بأمير المسلمين، أدبا مع الخليفة، و قيل: أول من دعاه بها المعتمد بن عباد صاحب ملك الأندلس، فاستحسن ذلك منه. ثم لقّبه بها صاحب بغداد، ثم جرت على من بعده.
و لما تكلم ابن أبي زرع على وقعة الزلاقة و كانت سنة ٤٧٩ و ما أوتيه فيه من النصر قال:
و في اليوم نفسه سمّي يوسف بن تاشفين بأمير المسلمين، و لم يكن يدعى بها قبل ذلك ا ه.
قلت: مثل ما لابن أبي زرع لغير واحد. نعم في كتاب أخبار الدول و آثار الأول للقرماني أن عبد اللّه بن ياسين ممهد دولة الموحدين، سمّى أبا بكر بن عمر رأس قبيلة اللمتون لما بايعه بأمير المسلمين، و لا شك أن بيعته كانت قبل وقعة الزلاقة بكثير فيحتمل أن يكون الملقب أولا ابن عمر، ثم اشتهر على يوسف المبايع بعده لما لقبه به رسميا في الأندلس المعتمد بن عباد في وقعة الزلاقة، ثم أقره عليه الخليفة العباسي و اللّه أعلم، و صار اللقب بأمير المسلمين شعار المرابطين ففي مكتبتنا طرف من الموطأ انتسخت في الرق لعلي بن يوسف بن تاشفين سنة ٥٣٠ على أول بعض أجزائها: مما كتب لخزانة أمير المؤمنين و ناصر الدين علي بن يوسف بن تاشفين أدام اللّه تأييده و نصره يحيى بن محمد بن عباد اللخمي ا ه من خطه.
و في مكتبتنا في قسم السكك دراهم ليوسف بن تاشفين، رسم عليها وصفه بأمير المؤمنين. و هو يؤيد ما في كتاب أخبار الدول و آثار الأول. لأحمد بن يوسف القرماني الدمشقي في ترجمة يوسف بن تاشفين أنه تلقب بأمير المؤمنين ا ه انظر ص ٢٥٤ طبع بغداد.