نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٧٥ - المقصد الثاني
الأغراض السافلة و المقاومة للكمال و الكاملين، و التشبث بأذيال الناقصين و الساقطين، سخطا على الفضيلة و مقاومة لها. و إذا كان الإمام حافظ الأندلس أبو محمد ابن حزم يقول في رسالته في المفاضلة بين علماء الأندلس و غيرهم: أما جهتنا فالحكم في ذلك ما جرى به المثل السائر: أزهد الناس في العالم أهله. و قد قرأت في الإنجيل أن عيسى (عليه السلام) قال: لا يفقد النبي حرمته إلا في بلده. و قد تيقنا ذلك بما لقي النبي (صلى الله عليه و سلم) من قريش، و هم أوفر الناس أحلاما و أصحهم عقولا، و أشدهم تثبتا مع ما خصوا به من سكناهم أفضل البقاع، و تقديسهم بالحرم الجباه؛ حتى خصّ اللّه الأوس و الخزرج بالفضيلة التي أبانهم بها عن جميع الناس، و لا سيما أندلسنا فإنها خصّت من حسد أهلها العالم الظاهر فيهم، الماهر منهم و استقلالهم كثير ما يأتي به، و استهجانهم ما يأتي من حسناته، و تتبعهم سقطاته و عثراته، و أكثر ذلك مدة حياته بأضعاف ما في سائر البلدان؛ إن أجاد قالوا سارق مغير، و إن انتحل قذع و إن توسّط قالوا: غث بارد و ضعيف ساقط، و إن باكر الحيازة لقصب السبق، قالوا: متى كان هذا و متى تعلم؟ و في أي زمان قرأ و لأمّه الهبل. و بعد ذلك إن و لجت به الأقدار أحد طريقتين إما شفوفا دائما يعليه على نظرائه، أو سلوكا في غير السبيل التي عاهدوها فهنالك حمي الوطيس على اليائس، و صار غرضا للأقوال و هدفا للمطالب، و عرضا للتطرق إلى عرضه، و ربّما نحل ما لم يقل، و طوق ما لم يتقلد، و ألحق به ما لم يفه به، و لا اعتقده قلبه، فإن لم يتعلق بالسلطان بحظ لا يسلم من المتالف، و لا ينجو من المخالف، فإن تعرض لتأليف غمز و لمز، و تعرض و همز و سترت فضائله و هتف و نودي بما أغفل فتسكن لذلك همته، و تكل نفسه و تبرد حميته. الخ كلامه انظر بقيته في رسالته المثبوتة في نفح الطيب.
فليت شعري ما يقال بعد خراب الأندلس و ضعف الإسلام في القرن الرابع عشر.
و جماع القول أن من جهل شيئا عاداه، و المزكوم لا يجد رائحة العطر بل يأباه، و يرحم اللّه أبا الثناء محمود بن عبد اللّه الآلوسي البغدادي صاحب روح المعاني إذ يقول:
و إذا الفتى بلغ السماء بفضله * * * كانت كأعداد النجوم عداه
و رموه عن حسد بكل كريهة * * * لكنّهم لا ينقصون علاه
و لو لا تفكري في أمر أبي الحسن الخزاعي، و أن ما أحياه من مآثر الأسلاف، و إن قضى عليه الزمن الأخير بالنكران، فقد قيضتني الأقدار، بعد أن مضى على موته نحو من ستمائة سنة بلا اختيار، لإحياء مراسمه و الاهتبال، بمعالمه، و الانفعال لعوامله في مثل ذلك الزمن و الآتي مع غض الطرف عن هذا الذي نحن فيه و ليس بمواتي، لكنت قد أضربت عن هذا العمل و نبذته و فارقته تماما و قاطعته، و لكن فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ [الأنعام: ٨٩] فإلى المؤمنين بفضائل المعاصرين يجر الحديث و إلى من يؤمن بكرامة الموتى من الآتين نجتهد في بث ما علمناه و نسير السير الحثيث فإليكم