نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٧٤ - المقصد الثاني
ثم الخاتمة- فيها فوائد في تقدم العرب في الاختراعات و الفنون، و كونهم أساتذة أوروبا باعتراف ساستهم و المنصفين من محققيهم.
و بتتبعك لأبواب الكتاب، و وقوفك على الحقيقة في المدونين تعلم أننا أتينا على زبدة كتاب الخزاعي، و حذفنا مكرره و استطراده، و ما لا حجة أو حاجة فيه. و زدت عليه أضعاف أضعاف ما ذكر من كل قسم، من الحرف و الصنائع و العمالات و الصفات، بحيث وفقنا (و الحمد للّه) لكثير من المظان التي لا تخطر ببال و لا كانت في الحسبان. و لم أقلد أبا الحسن الخزاعي في غالب عزوه، و لذلك إن كان الكتاب الذي نقل عنه مطبوعا أذكر الصحيفة الواقع فيها ما نقل منه. و لا شك أن مواد هذا الموضوع سهلت الآن بما أظهرته مطابع الشرق و الغرب، من الضنائن التي بتتبع أسماء فهارس المطبوعات شرقا و غربا، لا يبقى ريب في أنه يتيسر اليوم ما عسر إدراكه على كثير ممن سبق، و ليس بعد العيان بيان.
و بذلك تتحقق بأحقية قول الجاحظ: ما على الناس شيء أضر من قولهم: ما ترك الأول للآخر شيئا.
و قد قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر و قد نقل قول علي كرم اللّه وجهه: قيمة كل امرئ ما يحسن فقال: إنه لم يسبق إليه أحد قال: و أي كلمة أحض على طلب العلم منها؟
قال: و ما كان أضر بالعلم و بالعلماء و بالمتعلمين من قول القائل: ما ترك الأول للآخر شيئا ا ه و قال أبو الحسن المسعودي في كتابه «النبيه» المطبوع في أوروبا و قد تشترك الخواطر و تتفق الضمائر و ربما كان الأخير أحسن تأليفا و أمتن تصنيفا لحكمة التجارب و خشية التتبع و الاحتراس من موانع المضار؛ و من هاهنا صارت العلوم نامية غير متناهية، لوجود الأخير ما لا يجده الأول و ذلك إلى غير غاية محصورة و لا نهاية محدودة.
على أن من شيم كثير من الناس إطراء المتقدمين، و تعظيم كتب السالفين و مدح الماضي و ذم الباقي، و إن كان في كتب المحدثين ما هو أعظم فائدة و أكثر عائدة. ثم حكي عن الجاحظ على جلالة قدره بين الكتاب و البلغاء أنه قال: كنت أؤلف الكتاب الكثير المعاني الحسن النظم، و أنسبه إلى نفسي، فلا أرى الأسماع تصغي إليه، و لا الإرادات تبتسم نحوه، ثم أؤلف ما هو أنقص منه رتبة و أقل فائدة، و أنحله عبد اللّه بن المقفع، أو سهل بن هارون، أو غيرهما من المتقدمين ممن سارت أسماؤهم بين المصنفين، فيقبلون على كتبها، و يسارعون إلى نسخها، لا لشيء إلا نسبتها للمتقدمين. و لما يداخل أهل هذا العصر من حسد من هو في عصرهم، و منافسته على المناقب التي عزّ تشييدها. قال: «و هذه الطائفة لا يعبأ بها كبار الناس، و إنما العمل على أهل النظر و التأمل، الذين أعطوا كل شيء حقه من القول، و وفوه قسطه من الحق، فلم يرفعوا المتقدم إذا كان ناقصا، و لم ينقصوا المتأخر إذا كان زائدا، فلمثل هؤلاء تصنف العلوم و تدون الكتب».
و إذا كان هذا في ذلك الزمن زمن نفاق أسواق العلم، و رجحان أهله بالمدارك و الغايات، فكيف بزماننا هذا زمن التأخر و الانحطاط و التقليد الأعمى لكل مستهجن، و غلبة