نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٣٦٥ - باب في المكان يتخذ للفقراء الذين لا يأوون على أهل و لا مال و يتخرج منه الأصل لهذه الزوايا التي تتخذ للفقراء و المنقطعين
الصفة و هي السنة لأن السنة في عرف الشرع ما أقره (عليه السلام) أو عمله أو علّمه. و كان (عليه السلام) يحسن إليهم و يؤنسهم، و لم يأمرهم بتكسب.
و في صحيح مسلم عن أنس قال: جاء ناس إلى النبي (صلى الله عليه و سلم)، فسألوه أن يبعث معهم رجالا يعلمونهم القرآن و السنة، فبعث معهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القرّاء منهم خالي حرام- بحاء مهملة وراء- يقرءون القرآن و يتدارسونه، و بالليل يتعلمون و كانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد و يحتطبون فيبيعونه و يشترون به الطعام لأهل الصفة، و الفقراء. فبعثهم إليهم فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان، فهؤلاء لم ينههم النبي (صلى الله عليه و سلم) و لا نهى القراء عن خدمتهم، ثم ذكر حديث البخاري السابق و قال إثره: فصح أنهم كانوا فقراء متجردين يقرءون في المسجد غير متسببين، و هذه الصفة هي صفة الفقراء المتجردين اليوم.
قال أبو طلحة: كنا نأتي المدينة فمن كان له بها عريف نزل عليه و إلا نزل بالصفة. و كان الراتبون بالصفة نحو أربعمائة رجل منهم أبو هريرة و ابن أم مكتوم و صهيب و سلمان و خباب و بلال، و المؤمنون به (عليه السلام) و منهم من قام بالقراءة و منهم من ركن للعبادة، و هم أهل الصفة و الكل في عبادة و سنة، و لما كان المهاجرون و الأنصار لهم قبائل و عشائر انضاف بعضهم إلى بعض، فجعلهم النبي (صلى الله عليه و سلم) في الصفة و ضمهم إليه إذ كانوا لا يملكون شيئا و لا لهم بيوت يسكنون فيها، و لا قبائل ينضافون إليها، فصاروا كالقبيلة الواحدة و كذلك الفقرا اليوم، و منهم الذين قال تعالى فيهم:
تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٣] كانوا ضعفاء عن الجهاد قال تعالى: وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [الأنعام: ٥٢] و نزل في حق ابن أم مكتوم عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى فقد ظهرت صفة أهل الصفة الذين يقتدي بهم الفقراء المتجردون.
يا طالبا من الإله الزلفة * * * لا تنتحي لغير أهل الصفة
و ليّن القول لهم برأفة * * * فإنهم أهل التقى و الألفة
و في تكملة السيوطي لتفسير المحلي على قوله تعالى: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: ٢٧٢] إنها نزلت في أهل الصفة و هم أربعمائة من المهاجرين أرصدوا لتعلم القرآن و الخروج مع السرايا، و معنى الذين أحصروا في سبيل اللّه: أي حبسوا أنفسهم على الجهاد و قوله: لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ [البقرة: ٢٧٣] أي للتجارة و المعاش لشغلهم بالجهاد ا ه.
و قال ابن ليون التجيبي في محل آخر من رسالته: و في الصحيح: أن أهل الصفة لم يتسببوا و لا اشتغلوا بغير الذكر و الفكر و القعود في المسجد، و كان القرّاء يخدمونهم، و النبي (صلى الله عليه و سلم) و أصحابه يطعمونهم و قال لهم: أبشروا يا أهل الصفة، فترك التسبب طريقة أقرها النبي