نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ٢٩٦ - باب في استعمال السفن البحرية و فيه فصول ذكر من استعمل فيها في زمن رسول اللّه
تركب بأهلك و ولدك فاركب فقد أذنت لك، فركب معاوية و معه امرأته بنت قرظة [بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف]، و فيها أيضا قال مالك: أمّر عثمان بن عفان عمرو بن العاص و معاوية بن أبي سفيان: «عمرا على البر، و معاوية على البحر و إذا اجتمعا فمعاوية الأمير، فلما بلغا رأس مغزاهما أرسل معاوية إلى عمرو أن يأتيه فأبى، فأرسل يعزم عليه فقال عمرو: أنا أعزم على نفسي أن لا آتيك. فقال معاوية: أدن مني على شاطئ البحر فأتى عمرو على قوس فكلمه ما شاء اللّه، فقال له معاوية: أفشات أنت فقال: قافلون.
قال ابن رشد في البيان و التحصيل: وقع هذا في موطأ ابن وهب، و إنما لم يأت عمرو و معاوية إذ عزم عليه في الإتيان إليه، من أجل أنه من حيث لم يجعل له عليه عثمان أمرا، و لعله قد كانت له في الإتيان إليه مشقة، و لما سأله أن يدنو منه أجابه لذلك لخفة الأمر ا ه و في الخطط للمقريزي، لم يكن البحر يركب للغزو في حياة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و خلافة أبي بكر و عمر، و أول من ركب البحر للغزو العلاء بن الحضرمي، و كان على البحرين من قبل أبي بكر و عمر، فأحب أن يؤثر في الأعاجم أثرا يعز اللّه به الإسلام على يديه، فندب أهل البحرين إلى فارس فبادروا إلى ذلك، و فرقهم أجنادا على أحدهم الجارود بن المعلّى، و على الثاني سوار بن همّام، و على الثالث خليد بن المنذر بن ساوى، و جعل على عامة الناس خليدا فحملهم في البحر إلى فارس، بغير إذن عمر بن الخطاب، و كان عمر لا يأذن لأحد في ركوب البحر غازيا كراهية للتغرير بجنده، فلما فتح اللّه الشام ألحّ معاوية بن أبي سفيان، و هو يومئذ على جند دمشق و الأردن- على عمر في ركوب البحر، ثم لما كانت خلافة عثمان غزا المسلمون في البحر. و كان أول من غزا فيه معاوية بن أبي سفيان، و استعمل على البحر عبد اللّه بن قيس الحارثي حليف [١] بني فزارة، فغزا خمسين غزوة من بين شاتية و صائفة في البر و البحر، و لم ينكب فيه.
و غزا عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح في البحر، لما أتاه قسطنطين بن هرقل عام ٣٤، في ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار عبد اللّه في مائتي مركب أو يزيدون شيئا، و حاربه فكانت وقعة ذات الصواري فهزم قسطنطين و قتل جنده.
و أغزى معاوية عقبة بن عامر الجهني في البحر، و أمره أن يتوجه إلى رودس فأتى إليها.
و قد ذكر شيخنا ولي الدين ابن خالدون تعليل امتناع المسلمين من ركوب البحر للغزو في أول الأمر: أن العرب لم يكونوا أول الأمر مهرة في ثقافته و ركوبه، فلما استقر الملك للعرب و شمخ سلطانهم، و صارت أمم العجم خولا لهم، و تحت أيديهم و تقرّب كل ذي صنعة إليهم، تاقت أنفسهم إلى الجهاد فيه، و أنشئوا السفن و شحنوا الأساطيل بالرجال و السلاح، و أمدوها بالعساكر و المقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر، و اختصوا لذلك من
[١] ذكره في الإصابة ج ٩٣٣. و ذكره أيضا الطبري ج ٣/ ٣١٧ من الطبعة ١٩٣٠٩ مطبعة الاستقامة و المكتبة التجارية لمصطفى محمد من حوادث سنة ٢٨ ه.