نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٧ - المقدمة الأولى
فلنقتضب من ذاك ما لا يسع * * * في الحق أن يجهل ذاك الأورع
و ما يكون شرف المجالس * * * جلا العلا للحافظ المدارس
تعلو به الرتبة عن يقين * * * في شرف الدنيا و حكم الدين
و قال الإمام أبو الحسين أحمد بن فارس الرازي في مختصره في السير أوله: «هذا ذكر ما يحق على المرء المسلم حفظه، و يجب على ذي الدين معرفته، من نسب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و مولده و منشئه و شيعته، و ذكر أحواله في مغازيه و معرفة أسماء ولده، و عمومته و أزواجه. فإن للعارف بذلك رتبة تعلو على رتبة من جهله، كما أن للعلم به حلاوة في الصدر، و لم تعمر مجالس الخير بعد كتاب اللّه بأحسن من أخبار رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)» منها قال الإمام أبو العباس العزفي السبتي في الدر المنظم بعد نقل كلام ابن فارس مشيرا إلى قوله يجب: «فهذا إمام من أئمة المسلمين قضى بوجوب معرفة مولده على المؤمنين».
و قال أبو عيسى المهدي بن أحمد بن علي الفاسي في شرحه الوسط على الدلائل إثر كلام ابن فارس: و الوجوب في كلامه يحتمل الوجوب الشرعي أو العرفي بمعنى ينبغي مرجعه إلى اعتبار الأولى و الأخلق و قد حمله العزفي على الوجوب الشرعي و اللّه أعلم.
و عليه فيحتمل وجوب معرفة جميع ما ذكر أو بعضه و باقيه استطراد و زيادة خير للعارف به رتبة كما قال تعلو على رتبة من جهله و اللّه أعلم.
و الظاهر حمل الوجوب على الشرعي، و أنه يتعلق بجميع ما عدد. و للقرافي في الذخيرة و أشار إليه في شرح الأربعين: أن جملة الأحوال المتعلقة بالرسول، كلها فضلا عمّا به يتعين يرجع إلى العقائد لا إلى العمل، فيجب البحث عن ذلك ليحصل كمال المعتقد.
و مشخصاته هي معرفة اسمه و نسبه و زمانه و مكانه و صفته (عليه السلام) و قال مفخرة الشام ابن القيم الجوزية في زاد المعاد بعد أن بين اضطرار العباد إلى معرفة الرسول و ما جاء به و تصديقه فيما أخبر و طاعته فوق ما أمر و نصه: «و إذا كانت سعادة الدارين معلقة بهدي النبي (صلى الله عليه و سلم)، فيجب على كل من نصح نفسه و أحب نجاتها و سعادتها أن يعرف من هديه و سيرته و شأنه ما يخرج به عن الجاهلين، و يدخل به في عداد أتباعه و شيعته و حزبه».
انظر بقية كلامه و لا شك أن المسلم إذا تتبع السيرة على الوجه الذي توخيناه، لم يبق له شك في أن نبيه جاء بعمارة الدنيا و العمل للآخرة، لا بخراب العالم و الانقطاع عن العمل، حاشا و كلّا. نعم جاء (عليه السلام) بعدم تعمير القلب بالدنيا تعميرا يغافل به المسلم عن ربه و توحيده، و لكن أمرك أن تجد و تجتهد حتى تملأ منها يدك و تترك قلبك للّه، و ما يرضيه منك من وجوه مبرات و حسنات لبني جلدتك خالدات، بهذا جاء الدين لا بعكسه.
و يدلّك لذلك أن ثلث الشريعة الإسلامية عبادات، و أسرار تلك العبادات تتضمن سعادة بذلك و حياة روحك زيادة على إخلاص العمل لوجه اللّه، و بقية الثلثين معاملات دنيوية و كيفية الأخذ منها و الرّد بالقسط. انظر إلى أجزاء الزرقاني مثلا على المختصر الثمانية فإن أحكام