نظام الحكومة النبوية - الكتاني، عبد الحي - الصفحة ١٦ - المقدمة الأولى
و قال غيره أيضا: «سنّ (صلى الله عليه و سلم) من القوانين و النظامات و الأنظمة ما يأمن معه كل ذي حق على حقه، و يدفع التعدي من الأشرار، و ذوي الأطماع على أحد من الأمة، أو أهل الذمة، و من أحكام الزوجية بالطريقة المرضية على أكمل نظام، و أبدع إحكام، و بيّن حقوق الزوجين على بعضهما، مجتمعين أو مفترقين، و سنّ أحكام المعاملات من نحو البيع و الشراء و الإجارة و الشركة و المداينة، و قسم التركات على طريقة الحكمة، و سنّ بعض العقوبات و القصاصات و التعازير لتحفظ بها الأنفس و الأموال و الأعراض، و سنّ جميع الآداب من كل باب كآداب الأكل و الشرب، و آداب النوم و آداب الكلام، و آداب المجالسة و المحادثة و الزيارة، و آداب الحضر و السفر، و آداب الزوجية، و آداب ذوي الأرحام مع بعضهم، و آداب الجيران، و آداب الأصحاب، و آداب جميع المسلمين مع بعضهم، و آدابهم مع أهل ذمتهم، إلى غير ذلك من الآداب.
فبعد أن يبحث في كل ما جاء به النبي (صلى الله عليه و سلم) و ما سنه من القوانين و النظامات [و الأنظمة] التي هي في غاية الأحكام و الإتقان و الإبداع، يجزم بأن إتيانه (صلى الله عليه و سلم) بها، و هو أمي نشأ بين أمة أمية بدوية جاهلية لم يفارق أوطانه إلا أشهرا قلائل لا تصلح (مدته) [١] لتحصيل أقل القليل من العلوم، و لم يجتمع على أحد من أهل المعارف في مدة حياته في بلده، و لم يشاهد أنه عانى تعلم شيء من الشرائع، و قوانين الدول. فأنّى له بأن يستنبط عقله هذا الترتيب الغريب العجيب، الذي أحاط بكل حكمة باهرة، و احتوى على كل خصلة جميلة فاخرة، و تكفل بنظام حال البشر و صالح أحوالهم، و طهارة نفوسهم و عمار ديارهم، و كف أشرارهم، و بكل شيء يعود عليهم بالخير و يدفع عنهم الضر لا يصحح العقل إمكان التصديق باقتداره (صلى الله عليه و سلم) على الإحاطة بجميع ما جاء به؛ فإذا لا بد أن يكون مرسلا من عند اللّه، و هو الذي هداه إلى جميع ذلك و أطلعه عليه، و فهّمه أسراره و أمره بتبليغه ا ه.
و للّه در الحافظ أبي القاسم السهيلي إذ قال في الروض الأنف بعد ذكر حريفات [٢] من السيرة ما نصه: فهذه جملة تشرئب إلى معرفتها أنفس الطالبين، و ترتاح بالمذاكرة بها قلوب المتأدبين، و كل ما كان من باب المعرفة لنبينا (صلى الله عليه و سلم) و متصلا بأخبار سيرته مما يونق الأسماع و يهزّ بأرواح المحبة الطباع، و الحمد للّه على ما علم من ذلك ا ه ص ٩٣ من الجزء الثاني.
و قد قال الإمام القاضي أبو عبد اللّه محمد بن الأصبغ المعروف بابن المناصف القرطبي الأزدي في الدرر السنية في المعالم السنية في المعلم الرابع من السيرة النبوية:
و إن أولى ما تحلى المسلم * * * بعد كتاب اللّه أو يقدم
علم بأيام رسول اللّه * * * من لدن النشء إلى التناهي
و حفظ ما يحق أن لا يجهلا * * * من أمره و حاله مفصلا
[١] حذف ما بين القوسين أنسب.
[٢] كذا في الأصل.