موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٣٠ - سد مأرب- العرم- سيل العرم
و كانت أطراف الطرق بين المدن و القرى ممتلئة بالحدائق و البساتين، و كل بستان و حديقة مزينة بأنواع الفواكه و الأزهار، و كانت هذه الفواكه و الأزهار و فيرة كثيرة، بحيث كانت نساء القرى يخرجن للتنزه تحت الأشجار و فوق رءوسهن أسبتة و فى أيديهن خيوط القطن ينسجن و تمتلئ الأسبتة بالفواكه المتساقطة من الأشجار التى يسرن تحتها، ثم يعدن إلى منازلهن و قد تنزهن و حصلن على الفواكه، و من الطبعى أن يرد للخاطر كيفية سقية هذه الحدائق الواسعة و البساتين الشاسعة فالإجابة على هذا الخاطر أن كثيرا من القنوات و الجداول قد شقت حول نهر العرم فسقيت البساتين و الحدائق بالمياه التى تجلبها هذه القنوات و الجداول.
و بناء على هذا اكتسبت بلدة مأرب جودة فى الماء و الهواء، كما أن الخضرة أكسبت البلدة جمالا و رونقا فاتسعت البلدة يوما بعد يوم، و أنشئت بساتين متصلة و حدائق متقاربة حول البلدة و الطرقات.
و قد أصاب عقيدة أهالى مأرب الذين نالوا كل هذه النعم الإلهية، و حازوا العناية الإلهية ضعف و وهن إذا قالوا ماذا يحدث لنا؟ و ماذا يكون مصيرنا إذا أمطرت السماء بغزارة و فاض نهر العرم و غمرت مياهه حدائقنا و بساتيننا التى بذلنا جهودا شاقة فى سبيل إنشائها و إنباتها؟ و استولى عليهم القلق و الجزع نتيجة لمثل هذه الأفكار، و بناء على هذا فكر سبأ بن يشجب- على رواية- أو نعمان بن عاد- بناء على رواية أخرى- فى إقامة سد أمام نهر العرم طوله فرسخ و كذلك عرضه، و فعلا نفذ الفكرة و أنقذ أهل مأرب من هذا القلق الذى كان يقلق مضجعهم.
اختلف المؤرخون فى تحديد بانى سد مأرب، كما تنقل روايات مختلفة فى تعريف طول السد و عرضه و متانته و ضخامته.
قال الذين ذهبوا إلى أن بانيه نعمان بن عاد، أن طول السد و عرضه كان كل واحد منهما اثنى عشرة ألف خطوة و كان له فى ثلاثين مكانا قوائم، كما قال الذين زعموا أن بانى السد سبأ بن يشجب أنه لما تيقن أن عمره غير كاف لبناء مثل هذا السد الضخم فكر فى إتمام بنائه فى أقرب وقت ممكن؛ لذا أمر سكان سبعين