القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٥٨٧ - ما استدلّ بعضهم في تقديم الجمع بين الدّليلين
عملنا بكلّ واحد منهما من وجه دون آخر، فقد تركنا العمل بالدّلالة التّابعة، و إذا عملنا بأحدهما و تركنا العمل بالآخر بالكليّة، تركنا العمل بالدّلالة الأصليّة، و لا شكّ في أنّ الأوّل أولى.
و اعترضه العلّامة (رحمه اللّه) في «النّهاية» على ما نقل عنه: بأنّ العمل بكلّ واحد منهما، من وجه عمل بالدّلالة التّابعة من الدّليلين معا، و العمل بأحدهما دون الآخر عمل بالدّلالة الأصليّة و التّابعة في أحد الدّليلين و إبطالهما في الآخر، و لا شكّ في أولويّة العمل بالأصل، و تابع على العمل بالتّابعين و إبطال الأصلين.
و تنظّر فيه بعضهم، بأنّ العمل بتابع و أصل إنّما يكون راجحا على العمل بالتّابعين إذا كانا من دليلين، أمّا إذا كانا من دليل واحد و كان التّابعان من دليلين، فلا، و هو ظاهر. فإنّ فيه تعطيلا للّفظ الآخر و إلغاء له بالكلّيّة، و من المعلوم أنّ التّأويل أولى من التّعطيل.
أقول: و يظهر ما في هذا النّظر ممّا قدّمناه.
و تحقيق المعارضة أنّ العمل بالدّليلين حينئذ خروج عن كلام الشّارع رأسا، لاستحالة العمل على حقيقتهما و عدم قرينة معيّنة لذلك التجوّز، بحيث يكون مقبولا عند أهل اللّسان، بخلاف ما لو عمل على حقيقة أحدهما، فإنّه لا مانع منه، و لا مؤاخذة في ترك الآخر لأصل البراءة و استحالة العمل عليهما معا على ما وردا عليه، و خصوصا مع ملاحظة ما ورد من الشّارع من التّخيير في العمل بأيّهما.
ثمّ إنّ الشّهيد الثّاني (رحمه اللّه) [١] بعد ذكر ما نقلنا عنه في التعارض و لزوم الجمع بين الدّليلين مهما أمكن، جعل من فروع الجمع بين الدّليلين إعمال البيّنتين القائمتين
[١] في «التمهيد» ص ٢٨٤.