القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٣٧٨ - احتجاج الموجبون للنظر بالأدلّة الشّرعية و الكلام في المقام
و ثالثا: منع كون المراد بالعلم هو اليقين المصطلح لمنع كونه حقيقة فيه، بل هو حقيقة في الجزم أو الجزم المطابق و إن أمكن زواله بالتّشكيك و هم لا يرضون به، و يشهد به قوله تعالى في سورة يوسف (عليه السلام) حكاية عن يوسف و إخوته: ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَ ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا [١]، فتأمّل قبله و بعده حتّى يظهر لك الحال.
و رابعا: أنّ التّكليف إنّما يرد على مقتضى الفهم و الإدراك، فهم و إن كانوا مكلّفين بالجزم بما هو ثابت في نفس الأمر، لكنّ المسلّم منه هو ما يفهمون أنّه هو الذي مطابق لنفس الأمر، لا ما هو مطابق له في نفس الأمر، و إن لم يمكن تحصيله، فالذي يعمل بجزمه معتقدا لأنّه مطابق للواقع، عامل بالعلم على زعمه، و ليس تكليفه أزيد من ذلك.
و خامسا: أنّ التّكليف بالجزم الكذائيّ إنّما هو بعد الإمكان، فقد لا يمكن في كثير من المسائل تحصيل الجزم كما هو غير خاف عن المنصف المتأمّل، فلا وجه لإطلاق وجوب تحصيل العلم.
و سادسا: أنّ المتأمّل في تلك الآيات لا يظهر له أزيد من النّهي عن العمل بما لا يفيد في نفسه إلّا الظّنّ و إن لم يبق الظّنّ معه في خصوص المقام، لا ما يفيد الظّنّ مطلقا.
فإنّ كون عبادة الأصنام مذهبا لآبائهم بعد إقامة البراهين السّاطعة عليهم، لا يبقى معه الظّنّ بحقيّتها في نفس الأمر، كما يشهد به حكاية إبراهيم (عليه السلام) مع قومه حيث قال: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ
[١] يوسف: ٨١.