القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٤٦٧ - السّادس معرفة أصول الفقه،
عدم وجوده رأسا.
و لعلّك قد قرع سمعك ما روي أنّ أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام امر أبا الأسود الدّؤليّ [الدّئليّ] بتدوين علم النّحو و تأسيسه، فهل يحسن منك أن تقول:
إنّ قبل ذلك لم تكن مسائل النّحو ثابتة في نفس الأمر؟
فما نحن فيه أيضا كذلك، بل نقول: يحصل لمن تتبّع الأخبار، العلم بوجود ذلك العلم في الصّدر الأوّل، فإنّ حكم تعارض الأدلّة، و ما لا نصّ فيه، و القياس و الاستصحاب و العامّ و الخاصّ و المطلق و المقيّد، و النّاسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه، و جواز الرّواية بالمعنى و الإفتاء و التقليد، و غير ذلك، يستفاد من الأخبار وجودها في الجملة، و كثير من المباحث لم يكونوا محتاجين إليها حينئذ لعدم تغيير العرف، كمعرفة مباحث الحقيقة الشّرعيّة و الأوامر و النّواهي و أمثال ذلك.
و عدم احتياجهم الى معرفة هذه المسائل لا يستلزم عدم احتياجنا، كما لا يخفى على ذي مسكة، مع أنّ في الأخبار إشارة الى كثير منها أيضا، مثل ما ورد في الرّوايات أنّ الرّاوي سأل الإمام (عليه السلام) أنّ اللّه تعالى قال: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ [١] و لم يقل: افعلوا، فما وجه الوجوب؟ و قرّره الإمام (عليه السلام) على معتقده مع أنّه كان من أهل اللّسان أيضا.
و أجاب (عليه السلام) من باب القلب أنّه تعالى قال في سعي الصّفا و المروة أيضا: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [٢]. مع وجوبه، يعني أنّ الوجوب مستفاد من دليل
[١] النساء: ١٠١.
[٢] البقرة: ١٥٨.