القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٤٦٩ - السّادس معرفة أصول الفقه،
القدماء، و لا يحسن لعاقل إذا دار الأمر بين النّفي و الإثبات، و تردّد مذهب القدماء بين أحدهما، أن يقولوا: لم يكونوا قائلين بأحد الطّرفين. مثلا إذا قلنا لك: هل كان أصحاب الأئمة (عليهم السلام) قائلين بدلالة الأمر على الوجوب أم لا؟
فإن قلت: لم يكونوا قائلين بشيء منهما، فهذا شطط من الكلام.
و إن قلت: كانوا قائلين بدلالته على الوجوب، فهي مسألة أصولية.
و إن قلت: كانوا قائلين بعدم الدّلالة، فهي أيضا مسألة اصوليّة، إذ الأصوليّون يختلفون في المسائل.
فقال بكلّ من الطّرفين قائل، مع أنّ ما بلغنا من الأخبار ليس إلّا قليل ممّا روته أصحابنا، و لعلّه كان فيما لم يبلغنا ما يدلّ عليها.
و ذهب بالحوادث كسائر الأخبار أو بسبب أنّهم لم يعتنوا بها بسبب كمال وضوحها، مع أنّ الحكمة قد كان يقتضي إلقاء العلوم تدريجا كما هو الدّيدن و الدّأب في الفروع، إذ لم يجر عادة اللّه تعالى بإمكان تعليم الأمور الغير المتناهية دفعة، و كذلك تعلّمها. فقد تتفاوت أحوال الأزمنة، بل الأشخاص في زمانين، فمتى اقتضت المصلحة يظهرون ما لم يظهروه في الآن الأوّل، فقد تقتضي المصلحة ذكر بعض دون بعض، و كذا قد تقتضي المصلحة في البعض الذي ذكروه أن يجملوه أوّلا ثمّ يفصّلوه، و قد يقتضي الإجمال و حوالة التفصيل على أفهامهم لإمكان تحصيله من الإجمال، بل هذا هو الطريق في أصول الدّين أيضا، فإنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم كان يكتفي من الأعرابي بإظهار الشّهادتين مع أنّ الإسلام أمور كثيرة هما إجمالها، فالشّهادة بالتوحيد لا تتمّ إلّا بتنزيه اللّه تعالى عن الشّريك و النّظير و الجسميّة و المكان و ما يستلزمانه، و كونه مستجمعا للصفات الكمالية بحيث لا يلزم منه التركيب و الاحتياج و حلول الأعراض فيه و غير ذلك، و عدم صدور