التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٩٨ - قوله تعالى
فالاستضعاف طلب الضعف فكل من يجاهر غيره بما يقتضي ضعفه يقال قد استضعفه، والاستكبار طلب الكبر بغير حق، وكانوا يتعظمون هؤلاء الكفار بالجهل الذي صمموا عليه وصاروا رؤساء فيه ليحققهم به " لولا أنتم لكنا مؤمنين " لكن بسببكم يمنع، فهؤلاء إذا أخبروا عن ظنهم، فقد صدقوا كأنهم قالوا في ما نظن، لانه هكذا يقتضي ظاهر خبرهم، كما إذا أخبروا عما يفعلونه في المستقبل، فهو اخبار عن عزمهم، ولو كان كذبا لانكر الله ذلك واتبعه بما يدل على انكاره، كما قال " انظر كيف كذبوا على انفسهم " [١] ثم حكى ما أجابهم به المستكبرون فانهم يقولون في جوابهم " أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم "؟ ! منكرين عليهم قولهم انهم منعوهم من الايمان بعد تبين الحق فيه، وليس الامر على ما تقولونه " بل كنتم " أنتم " مجرمين " ثم حكى تعالى ما يقول الذين استضعفوا فانهم يقولون " بل مكر الليل والنهار " معناه مكركم في الليل والنهار - في قول الحسن - كما قال الشاعر:
لقد لمتنا يا ام غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم [٢]
أي بنائم فيه. وقيل: كأن الليل والنهار يمكران بطول السلامة فيهما.
و (المترف) المنعم البطر بالنعمة " إذ تأمروننا " أي حين تأمروننا " أن نكفر بالله " أي ان نجحد بالله " ونجعل له اندادا " أي امثالا في العبادة " واسروا الندامة " أي اخفوا الندامة بينهم " لما رأوا العذاب " نزل بهم، ولام بعضهم بعضا. وقال الجبائي: معناه اظهروا الندامة، قال: وهذا مشترك. وهذا غلط، لان لفظة الاخفاء هي المشتركة دون لفظ الاسرار، فحمل أحدهما على الآخر قياس في اللغة " وجعلنا الاغلال في اعناق الذين كفروا " الاغلال جمع غل والله
[١] سورة ٦ الانعام آية ٢٤ [٢] مر تخريجه في ٥ / ٦٤٥ (*)