التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٩ - قوله تعالى
منايا يقربن الحتوف لاهلها جهارا * ويستمتعن بالانس الجبل [١]
ومعناه اتقوا خليقة الاولين في عبادة غير الله والاشراك معه، فهو عطف على (الذي) فيها، ولا يجوز أن يكون منصوبا ب " خلقكم " لان الله تعالى لم يخلق كفرهم، ولا ضلالهم، وإن جعلته منصوبا ب " خلقكم " على أن يكون المعنى اتقوا الله الذي خلقكم وخلق الخلق الاولين، كان جائزا، واخلصوا العبادة لله. فقالوا في الجواب له " إنما انت من المسحرين " وقد فسرناه.
" وما أنت إلا بشر مثلنا " أي مخلوقا من الناس مثلنا، ولست بملك حتى يكون لك فضل علينا. والبشر هو الانسان، والانسان مشتق من الانس ووزنه (فعليان) والاصل إنسيان غير أنه حذف منه الياء، فلما صغر رد إلى أصله، فقيل: انسيان. والبشر من البشرة الظاهرة. والمثل والشبه واحد.
" وإن نظنك لمن الكاذبين " معناه إنا نحسبك كاذبا من جملة الكاذبين.
و (إن) هي المخففة من الثقيلة. ولذلك دخلت اللام في الخبر. ثم قالوا له: إن كنت صادقا ومحقا في دعواك " فاسقط علينا كسفا من السماء " أي قطعا - في قول ابن عباس - وهو جمع كسفة، ومثله نمرة وتمر، فقال لهم في الجواب عن ذلك " ربي أعلم بما تعملون " ومعناه إنه إن كان في معلومه أنه: متى بقاكم انكم تتوبون أو يتوب تائب منكم، لم يقتطعكم بالعذاب، وإن كان في معلومه انه لا يفلح واحد منكم، فسيأتيكم عذاب الاستئصال.
ثم قال تعالى " فكذبوه " يعني قوم شعيب كذبوا شعيبا، فعاقبهم الله بعذاب يوم الظلة، وهي سحابة رفعت لهم، فلما خرجوا اليها طلبا لبردها من شدة ما أصابهم من الحر مطرت عليهم نارا فاحرقتهم، فهؤلاء أصحاب الظلة، وهم
[١] تفسير الطبري ١٩ / ٦٠ (*)