الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٠٢ - فصل في إبطال القياس بالبراهين الضرورية


وقاس بعضهم فاعل فعل قوم لوط على الزاني ، ولم يقس واطئ البهيمة على الزاني ، وكلاهما واطئ في مكان محرم .
ولم يقيسوا الغاصب على السارق ولا على المحارب ، وكلاهما أخذ مالا بغير حق ، والغاصب بالمحارب أشبه من اللوطي بالزاني لأن الدبر غير الفرج والغاصب والمحارب مستويان في الإخافة وأخذ المال ، ولا سيما بعضهم يقول بقياس الشارب على القاذف ، فقد بان تناقضهم .
فإن قالوا : إن الصحابة قاسوا الشارب على القاذف ، فقد تقدم تكذيب هذه الدعوى لا سيما وقد كفانا بعضهم المؤنة في هذا ، فنسوا أنفسهم وقالوا : الحدود لا تؤخذ قياسا ، وقد علمنا أن كل ما جاز للصحابة فهو جائز لمن بعدهم ، وما حدث دين جديد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وأين الائتساء بالصحابة رضوان الله عليهم حتى يتركوا النصوص لقول بعضهم إذا وافق تقليدهم ؟ فيلزمهم أن يوجبوا حدا على شارب الدم وأكل الميتة ولحم الخنزير .
وقد قاس بعض الفقهاء هؤلاء على شارب الخمر ، فرأى على كل واحد منهما ثمانين جلدة ، وهو الأوزاعي ، مع أن قياس شرب الدم على شرب الخمر ، لو جاز القياس ، أولى من قياس شرب الخمر على قذف محصنة .
ووجدنا بعضهم قد قاس من سرق أو شرب أو زنى ثم تاب واعترض على المحارب في سقوط الحد عنه .
حدثنا يحيى بن عبد الرحمن ، حدثنا أحمد بن دحيم ، حدثنا إبراهيم بن حماد ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، ثنا نصر بن علي ، ثنا محمد بن بكر - هو البرساني - عن ابن جريج ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : إذا سرق اللص ثم جاء تائبا فلا قطع عليه .
وبعضهم لم يقس هؤلاء على المحارب ، وقاسهم على القاتل ، والقاتل أبعد شبها من الحدود الواجبة من المحارب .
وقد قاس بعضهم القاتل إذا عفي عنه على الزاني غير المحصن ، ولم يقس المرتد إذا راجع الاسلام ، ولا المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه ، أو إذا عفا الامام عن قتله ، أو اقتصر على ما دون ذلك ، وكل هذا تناقض .
وقد ساوى الله تعالى بين الخمر والميسر ، والانصاب والأزلام ، فهلا قاسوا