العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٧ - ألف المنطلقات العلمية
والصحيح- كما نعلم وتشهد به الفطرة السليمة لكل الناس- أن العالم موجود فعلًا، ولكنه ليس الكمال المطلق ووجوده إنما هو بالله، أو ليس بعضها بحاجة إلى البعض الآخر؟
أو ليس التأليف فيها دليل عجزها وحاجتها إلى ما يؤلفها، وينظم علاقات بعضها بالبعض؟
أو ليس التغيير من النقص إلى الكمال ومن الكمال إلى النقص دليلًا على عدم ذاتية الكمال في الطبيعة؟
وهكذا ترى الفلسفة المثالية الأفلاطونية، وخليفتها الأفلاطونية الجديدة، وأتباعها الإشراقيين قد تطرفوا إلى حد الزعم بأن الماهيات الإمكانية غير موجودة أساساً.
يقول ملا صدرا: فانكشف حقيقة ما اتفق عليه أهل الكشف والشهود من أن الماهيات الإمكانية، أمور عدمية لا بمعنى أن مفهوم السلب المفاد من كلمة (لا) وأمثالها داخل فيها، ولا بمعنى أنها من الاعتبارات الذهنية والمعقولات الثانية، بل بمعنى أنها غير موجودة؛ لا في حد أنفسها بحسب ذواتها، ولا بحسب الواقع، لأن ما لا يكون وجوداً ولا موجوداً في حد نفسه، لا يمكن أن يصير موجوداً بتأثير الغير وإفاضته، بل الموجود هو الوجود وأطواره وشؤونه وأنحاؤه. ويضيف قائلًا: فحقائق الممكنات باقية على عدميتها، أزلًا وأبداً [١].
واعتماداً على فكرة (عدمية الممكنات) وإنها ليست سوى ظلال للحقيقة، ساقوا دليلهم الأول على (وحدة الموجود) فزعموا: أنه لا يمكن أن تكون تلك الحقيقة سوى (الله)، إذ لو كانت (غير الله) لكان يلزم التركيب في ذات (الله) وهو محال، إذ التركيب دليل العجز والمخلوقية، فكل مُركبٍ بحاجة إلى من يُركبه، وينظم علاقاته ببعضه!
[١] () المصدر، ص ٢٣ عن كتاب الأسفار لملا صدرا الشيرازي الجزء الأول، ص ١٩٥.