العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٤ - ٥ - ابن سينا
مكنته من التعمق في الفلسفة اليونانية إلى حد جعلته من أكبر الفلاسفة المسلمين، إلا إنه- الرغم من ذلك- لم يخرج عن إطار التقليد للفلسفة اليونانية في صورتها التي تكونت في مدرسة الإسكندرية. وكان أقصى طموحه الجمع بين متناقضات الفلسفة من أفلاطون إلى أرسطو إلى الفلسفة الرواقية إلى الأفلاطونية الجديدة، ومحاولة التوفيق بينها وبين مبادئ الشريعة الإسلامية.
وفي بعض كتبه يعترف ابن سينا عن تنازله للتيار الشائع فيذكر: أن علماء زمانه قد اتجهوا بصورة خاصة نحو المشائيين، وأنه لم يجد ما يدعوه إلى الخروج عن نهج المشائيين في المؤلفات التي وضعها للعامة من القراء، ففي زعم العامة أن الفلسفة المشائية هي الفلسفة المثلى [١].
وفضيلة ابن سينا ليست في إبداعه الذي كان جد قليل، بل في أمرين:
الأول: في بلاغة تعبيره الجامع لدقة الفكرة وسلاسة البيان.
الثاني: في سعة اطلاعه وموسوعية كتبه، ولهذا أصبح الناطق الرسمي باسم الأفلاطونية الجديدة بالرغم من أن الفارابي هو الذي أدخلها في ثقافة المسلمين، كما أصبح ذا أثر بالغ على كل من المسلمين واليهود والمسيحيين.
وقد أحرزت فكرة ابن سينا عن الله الذي يتوحد في ذاته الوجود والماهية، أقول: أحرزت رواجاً واسعاً في الغرب، وخاصة على يدي موسى بن ميمون اليهودي، والفيلسوف المسيحي توماس الأكويني [٢].
وموسوعية ابن سينا ليست فقط تجميعية، بل هي أيضاً تذويبية، حيث استطاع أن يعصر في بوتقة فكره خلاصة لأفكار السابقين من فلاسفة اليونان والإسكندرية والفلاسفة المسلمين الذين يدين الفارابي لهم بالشيء الكثير، ويضفي على كل ذلك مسحة من ظواهر الشريعة.
[١] () المصدر، ص ١٨٤.
[٢] () الموسوعة الفلسفية المخترصة. ص ١٧.