العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨ - مدرسة الأشاعرة
فمثلًا اثبتوا اسماً لرب العباد، لا نجد له أثراً في النصوص، وهو اسم (المريد) الذي يثبت قدم إرادة الله سبحانه، والذي يقتضي قدم العالم، لأن إرادة الله إذا كانت قديمة، فإن ما أراده لابد أن يكون قد تحقق من قديم لقدرة الله المطلقة.
وتميزت مدرسة الأشاعرة بالدفاع عن النصوص بأسلوب قياسي.
إن الأشعري في تطبيقه لهذه النزعة- العقلية المعتدلة- على المسائل الكبرى التي كانت تطرح في أوساط المتكلمين آنذاك يبدو حريصاً على تبرير معارضته للمعتزلة على صعيد عقلي، مع أنه لا يوافقهم في الجوهر، والنتيجة الحاصلة أن أسلوبه كان شبيهاً بأسلوبهم، لكن مذهبه كان عموماً- تقريراً لقضايا تقليدية أو حنبلية في قالب جديد [١].
ولا ريب أن الظروف التي أفرزت المذهب الأشعري كانت تقتضي مثل هذا الجمع، وسواء كان المذهب دفاعاً عن علم الكلام ومنهج القياس في فهم الغيب الإلهي في مقابل هجوم أهل الحديث، أو كان دفاعاً عن الحقائق الإسلامية بأسلوب قياسي، فإن النتيجة واحدة وهي: أن المذهب في الواقع إفراز للظروف التي شهدها العصر الذي تلا عهد المتوكل العباسي بنزعته الإرهابية وشدته على المعتزلة، ولم يكن أبداً بسبب الغيرة على الإسلام، أو تنفيذاً لأوامر الرسول الصادرة إليه في حالة النوم كما ادعى صاحب المذهب! والنوم كما يعلم كل الفقهاء ليس حجة، وكان الأحرى به أن يطبق القرآن في ترك الجدل في الدين ومقاومة الطغاة.
والواقع أن المذهب الأشعري جاء يلطف الأجواء بعد ذلك الجدل الذي استمر لمدة قرن كامل من الزمان، والذي لم ينفع الثقافة شيئاً كثيراً.
وكان اعترافاً ضمنياً لعجز منهجية القياس في الوصول إلى حقائق الدين التي لا تدرك إلا بمنهج الدين نفسه، وهو منهج وجداني.
[١] () تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص ٢٨٧.