العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٢ - التطور التاريخي للنظرية
وهكذا افترض أرسطو قدم العالم بمادته وصورته وزمانه وحركته، وأن الله والمادة وجودان مختلفان قديمان لا يحتاج أحدهما إلى الآخر، ولكن المادة تعشق الله فقط.
وإذا طرحت السؤال التالي إلى أرسطو: كيف تعشق المادة ربها؟ هل فيها نفس وعقل وحياة؟
لا يتردد ارسطو عن الإجابة ب- (نعم)، وعن شكل الحركة يقول: إنها دورية، وعن الأفلاك يقول: إنها ذات عقول ونفوس تفسر المعاني والأفكار الكلية.
وهكذا تحول الله عند أرسطو إلى ملك لا يحكم أو حتى إلى رمز، وهذا في الواقع انعكاس عن رؤية أرسطو تجاه العلم والفلسفة والدين والقيم، إنها مجرد نصائح خلقية لا يجوز أن تتداخل في عالم الحكم والسلطة لأنها أمور مادية.
وجاءت الرواقية من أنصار أفلاطون ليقاوموا اتجاه أرسطو الذي جعل وجود الله رمزياً، فجعلوا وجود الأشياء ظلياً وقالوا: كل شيء هو الله.
وجاءت مدرسة الإسكندرية وقدمت نظرية الفيض التي أدخلها أبو نصر الفارابي فيما بين المسلمين، وهي مزيجة من النظريات السابقة [١].
[١] () لا بأس بذكر موجز عن نظرية أفلوطين في الخلق، بالرغم من أن أفلاطين (التلميذ الناطق باسم أمونيوس ساكاس) الذي توفي عام ٢٧٠ كان يعتقد بوحدة الوجود وأن جميع الموجودات فيوضات من المصدر الأول إلا أنه كان يزعم أيضاً بالاقانيم الثلاث بتفصيل موجزه ما يلي:
أن المصدر الأول باعتباره كامل ولا يتصف بالبخل فيهو فياض أزلًا وأبداً فهو أب الموجودات ومصدرها بلد كما النور من الشمس والرشح من الكأس الطافحة وأول ما يولد منه أي ابنه المباشر والصادر الأول هو الأقرب إلى درجات الكمال إليه وهو العقل، والعقل بدوره مصدر، والذي تصدر منه هي النفس التي هي إلى جنب العقل كالقمر بالنسة إلى الشمس، وهكذا يرى أفلوطين ثلاثية المصادر الأحدية (الله) العقل (الصادر الأول) النفس (الصادر الثاني) وهي الأقانيم الثلاث.
ويرى أفلوطين بأن النفس الإنسانية (أو الروح) تهبط من عالم الملكوت إلى عالم الناسوت (المادة) وذلك في قوس النزول، ولكنها تعود في قوس الصعود وعبر التزكية والتهذيب إلى الله (بتلخيص من كتاب سير حكمت در أوربا للفروغي، فارسي، ص ٨٦- ٩٠).