العرفان الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٢ - بعد السهروردي
الشيرازي في (١٠٥٠ ه-) مقارناً لوفاة ديكارت تقريباً. وكانا مؤسسي العلم الحديث في أوروبا وقاوما الجمود الفكري القديم، وكان صدر الدين يقوم بهذا الجهاد المقدس في إيران.
وقد تابع فلاسفة أوروبا مسيرة ديكارت وفرانسيس بيكون، وأضاف بالتدريج كل واحد منهم شيئاً على تلك الأصول حتى أوصلوا فلسفتهم خلال أكثر من ثلاثة قرون إلى مستواها الحالي.
وأما صدر الدين؛ فكأنه كان يعرف أنه لا يتابع أحدٌ مسيرته، فأوصل وحده فلسفته إلى حيث الفلسفة الأوروبية، وقام بأعمال العديد من فلاسفة أوروبا.
والميزة الأسمى عند صدر الدين الشيرازي هي أن كل واحد من الفلاسفة كان يختص في مسائل معينة وفي بُعد واحد، وكان يختار قواعد معينة وفقاً لذلك البعد الذي اختاره، وكان يفسر كل المسائل الفلسفية حسب تلك الأصول والقواعد، مثلًا كان يفسر الفلاسفة الإلهيون (المسائل) على أسسهم الخاصة، بينما كان يفسر الماديون (المسائل) وفق فلسفتهم المادية ولكن- وحسبما نوضحه في قواعد وأصول تلك الفلسفة، وذهب مع كل مدرسة ومسلك إلى نهاية المطاف دون أن يحدث لديه أي تناقض ويكفي أن نقول- وبصورة إجماعية-: إن سعة فكره قد بلغت حداً شملت كل المذاهب والآراء- وحسبما نفصله فيما يأتي- ولم يقل (لا) لأحد، ولم ينكر أية عقيدة رأساً، وقد أثبت النتائج الفكرية لكل النحل الفلسفية القديمة والجديدة وحتى اليوم بحجج تفوق حجج المنتمين إليها [١].
وهكذا نرى المنهج الذي ينعته البعض بالانتقاء والتناقض يراه البعض الآخر أفضل ميزة عند الفيلسوف الشيرازي، وإني أفضّل نهجاً وسطاً، إذ قد يكون التناقض بين مذهبين مصطنعاً أو موهوماً حيث أن التفسير الجدي والقشري لهذا
[١] () د. عبد المحسن مشكاة الديني في كتابه (نظري به فلسفة صدر الدين شيرازي) (بالفارسية)، ص ١١- ١٢.