التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ١٨٥ - انتساب الحوادث إلی اللّه
کما هو الشأن فی سائر الصفات الفعلیة کالخلق و الرزق و الاحیاء و الاماتة.
و هذه الإرادة من اللّه بالنسبة إلی أفعال العباد الاختیاریة واقعة فی رتبة التابع من المتبوع، حیث جرت سنته تعالی علی تحقق ما یرید العباد فعله، و قد عبّر عنها فی القرآن بالاذن. فما یرید العباد ایجاده من أفعال اختیاریة، فإنّه تعالی یأذن فی تحققها وفق ما یریدون- حسبما تقدم- و علیه فلم تکن إرادة العبد معلولة لإرادته تعالی، و لا منبعثة عنها، کما توهمه بعض المتفلسفین. و انما إرادته منبعثة عن داخل ذاته عند حصول مقدماتها السالفة، لا عن شیء آخر. و بذلک أثبتنا اختیاریة الإرادة من العباد اختیاریة تامة، هکذا جعل اللّه العباد مختارین تمام الاختیار فی الإرادة، لئلا یکون اجبار أو اضطرار إلی هذا النمط من الافعال، و من ثمّ صحّ التکلیف، و جازت المؤاخذة، و حسن المدح و الذم.
انتساب الحوادث إلی اللّه:
فی کثیر من تعابیر القرآن الکریم جاءت نسبة الحوادث، سواء أ کانت ذوات علل و عوامل طبیعیة، أم کانت ولیدة صنع الانسان و عمله [١].
قال
تعالی: إِنَّا لَمَّا طَغَی الْماءُ حَمَلْناکُمْ فِی الْجارِیَةِ [٢]. و
قال: وَ لَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِی الْبَحْرِ کَالْأَعْلامِ [٣]. و
قال: وَ اللَّهُ جَعَلَ لَکُمْ مِنْ بُیُوتِکُمْ سَکَناً وَ جَعَلَ لَکُمْ
مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُیُوتاً تَسْتَخِفُّونَها یَوْمَ ظَعْنِکُمْ وَ
یَوْمَ إِقامَتِکُمْ- إلی قوله- وَ جَعَلَ لَکُمْ مِنَ الْجِبالِ أَکْناناً
وَ جَعَلَ لَکُمْ سَرابِیلَ تَقِیکُمُ الْحَرَّ وَ سَرابِیلَ تَقِیکُمْ
بَأْسَکُمْ [٤].
و قال تعالی: جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَیْنِ مِنْ
أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنا بَیْنَهُما زَرْعاً [٥]. و
قال: وَ الَّذِی أَخْرَجَ الْمَرْعی فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوی [٦]. و قال:
(١) راجع فی ذلک: اوائل المقالات للمفید: ص ٨٦- ٨٧.
(٢) الحاقة: ١١.
(٣) الرحمن: ٢٤.
(٤) النحل: ٨٠- ٨١.
(٥) الکهف: ٣٢.
(٦) الاعلی: ٤- ٥.