التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ١٦٢ - الأفعال الاختیاریة
بأنّهم یثبتون للّه شرکاء لا حصر لها و لا حدّ. قالوا: المجوس أسعد حالا منهم، حیث لم یثبتوا إلّا شریکا واحدا، و هؤلاء یثبتون شرکاء لا تحصی [١].
و نحن- فی هذا العرض- نقدم فصولا نبحث خلالها عن مسائل:
«الاختیار» و «الإرادة» و «الأمر بین الأمرین» و عن نسبة ما بین قدرة العبد و قدرته تعالی. و عن السر فی اضافة الأفعال و المولدات إلیه سبحانه، و ما الی ذلک من بحوث لها صلة بالموضوع، و أخیرا نتعرج إلی شبهات أهل الجبر و حلّ متشابهات آیات تشبثوا بها فی هذا المجال، و تخریج تأویلها الصحیح ان شاء اللّه تعالی، و منه التوفیق.
الأفعال الاختیاریة:
أمّا أهل العدل و التنزیه فوقفوا من مسألة «الاستطاعة» موقفا نزیها، و
قدّسوا ساحة قدسه تعالی أجمل تقدیس، فی هدی العقل الرشید و محکمات الآیات و
الآثار الصحیحة.
قالوا: ان اللّه خلق الخلائق لا شریک له فی الخلق، و
لا خالق سواه، و رکب فی کلّ مخلوق صفة و جعل لکلّ موجود أثرا، و جعل من
أوصاف الأشیاء و آثارها نوعین، منها ما یصدر عنها صدورا لا باختیارها و لا
هی مقیدة بارادتها، کطلوع الشمس و اشراقها، و نبت الشجر و اثماره. و منها
ما یصدر عنها صدورا تحت اختیارها و مقیدة بارادتها، کمشی الدابة و وقوفها و
طلبها للحشائش و أکلها.
قالوا: هناک فرق ضروری بین حرکة ید المرتعش
الحادثة لا عن اختیاره، و تحریک الید لتناول الطعام و الشراب، المنضبط تحت
الاختیار. کالفرق بین التنفس و التکلم، و هکذا بین نبات الشعر و حلقه،
الأول لا اختیاری و الثانی اختیاری.
و الفعل الاختیاری هو ما إذا شاء
الانسان فعله أو شاء ترکه، الأمر الذی یجده الانسان فی صمیم فطرته فارقا
بین الأمرین بدیهیا لا غبار علیه.
(١) شرح العقائد النسفیة: ص ٦١.