أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٣٤٣ - وزارته
هذا من تحت يدك، ولا هو مما نشا من عندك، هذا لمحمد بن عبد الله ابن طاهر وأوله:
كتبت تسال عني كيف كنت وما لاقيت بعدك من هم ومن حزن لا كنت إن كنت أدري كيف كنت ولا لا كنت إن كنت أدري كيف لم أكن وكان ينشد وهو يلوي رقبته وتجحظ حدقته وينزي أطراف منكبيه ويتشايل ويتمايل كأنه الذي يتخبطه الشيطان من المس. هذا آخر حديث الاستقبال وقد أفك فيه أبو حيان في سئ ما قال.
وفي سنة ٣٧١ طلب عضد الدولة من قابوس بن وشمگير أخاه فخر الدولة الذي كان قد التجأ اليه فأبى أن يسلمه فجهز إليه عضد الدولة أخاه مؤيد الدولة فسار إلى جرجان ومعه الصاحب في منتصف تلك السنة فانهزم قابوس وفخر الدولة والتجأ بخراسان إلى السامانية واستولى مؤيد الدولة على طبرستان وجرجان وحصل الصاحب في هذه الوقعة على الفيل الذي كان في عسكر العدو فامر من بحضرته من الشعراء أن يصفوه فوصفوه بالفيليات الآتي ذكرها، وللصاحب ثلاث رسائل كتبها مبشرا بهذا الفتح العظيم مذكورة في ديوان رسائله.
وفي سنة ٣٧٢ في شوال توفي عضد الدولة فسمت نفس أخيه مؤيد الدولة للاستيلاء على بغداد ومملكة عضد الدولة ولكنها عرضت له علة الخوانيق واشتدت به سنة ٣٧٣ وهو في جرجان فقال الصاحب لو عهد أمير الأمراء عهدا إلى من يراه يسكن إليه الجند إلى أن يتفضل الله تعالى بعافيته وقيامه إلى تدبير مملكته لكان ذلك من الاستظهار الذي لا ضرر فيه فقال له أنا في شغل عن هذا وما للملك قدر مع انتهاء الإنسان إلى مثل ما أنا فيه فافعلوا ما بدا لكم ثم أشفى فقال له الصاحب تب يا مولانا من كل ما دخلت فيه وتبرأ من هذه الأموال التي لست على ثقة من طيبها وحصولها من حلها واعتقد متى أقامك الله وعافاك صرفها في وجوهها ورد كل ظلامة تعرفها وتقدر على ردها ففعل ذلك وتلطف به وتوفي مؤيد الدولة في شعبان سنة ٣٧٣ بجرجان وهو ابن ٤٣ سنة.
وزارته لفخر الدولة فلما توفي ولم يعهد بالملك إلى أحد تشاور أكابر دولته فيمن يقوم مقامه فأشار الصاحب بإعادة فخر الدولة إلى مملكته إذ هو كبير البيت ومالك تلك البلاد قبل مؤيد الدولة ولما فيه من آيات الامارة والملك فكتب الصاحب اليه واستدعاه وهو بنيسابور على حالة مختلة وإضاقة شديدة فسار فخر الدولة إلى جرجان في شهر رمضان سنة ٣٧٣ فتلقاه الصاحب فرحب به فخر الدولة وبالغ في إكرامه وإعظامه وملكه الصاحب البلاد فاقر الصاحب على وزارته فأراد الصاحب اختباره هل في نفسه عليه شئ مما كان في أيام مؤيد الدولة الذي أوجب هرب فخر الدولة فقال له: قد بلغك الله يا مولاي وبلغني فيك ما أملته لنفسك وأملته لك ومن حقوق خدمتي عليك إجابتي إلى ما أوثره من ملازمة داري واعتزال الجندية والتوفر على أمر المعاد فقال له فخر الدولة: لا تقل أيها الصاحب هذا فاني ما أريد الملك إلا لك ولا يجوز أن يستقيم أمري إلا بك وإذا كرهت ملابسة الأمور كرهت ذاك بكراهتك وانصرفت. كذا في ذيل تجارب الأمم. وفي اليتيمة وغيرها أن الصاحب لما استعفاه قال له فخر الدولة: لك في هذه الدولة من ارث الوزارة كما لنا من ارث الامارة فسبيل كل منا أن يحتفظ بحقه ولم يعفه فقبل الصاحب الأرض شكرا وقال: الأمر أمرك وخلع عليه خلع الوزارة وأكرمه بما لم يكرم بمثله وزير وصدر عن رأيه في جليل الأمور وصغيرها ولم يزل معه إلى أن مات الصاحب والأمور تصدر عن أمره والملك يتدبر برأيه وكان إذا قال فخر الدولة قولا وقال الصاحب قولا امتثل قول الصاحب وترك قول فخر الدولة وكانت وزارته لمؤيد الدولة وأخيه فخر الدولة ثماني عشرة سنة وشهرا واحدا قال ياقوت في معجم الأدباء: وفتح خمسين قلعة سلمها إلى فخر الدولة لم يجتمع عشر منها لأبيه ولا لأخيه انتهى. وكان مبجلا عند فخر الدولة معظما نافذ الأمر بحيث نقل أنه لم يعظم وزيرا مخدومه ما عظمه فخر الدولة إياه. وقال الثعالبي حدثني عون بن الحسين الهمذاني قال: سمعت أبا عيسى بن المنجم يقول: سمعت الصاحب يقول: ما استؤذن لي على فخر الدولة وهو في مجلس الأنس إلا انتقل إلى مجلس الحشمة فيأذن لي فيه وما أذكر أنه تبذل بين يدي ومازحني قط إلا مرة واحدة فإنه قال لي في شجون الحديث بلغني أنك تقول الدين دين الاعتزال وجملة أخرى فيها مجون فأظهرت الكراهة لانبساطه وقلت بنا من الجد ما لا يفرع معه للهزل ونهضت كالمغاضب فما زال يعتذر إلي مراسلة حتى عاودت مجلسه ولم يعد بعدها لما يجري مجرى الهزل والمزح.
وكان الصاحب قد وقع في نفسه حب بغداد والاستيلاء عليها من يوم جاء إليها خاطبا للأمير بويه ابنة عمه فقد مر أنه قال لابن العميد لما سأله عنها بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد ومر أيضا أن مؤيد الدولة كانت قد سمت نفسه إلى الاستيلاء على بغداد بعد وفاة عضد الدولة فمات قبل أن يتم له ذلك وبعد موت مؤيد الدولة حدثت الصاحب نفسه بالمسير إلى العراق وضمه إلى مملكة فخر الدولة ففي معجم الأدباء عن كتاب لهلال بن المحسن بن إبراهيم الصابئ أنه قال سمعت محدثا يحدث أبا إسحاق أنه سمع الصاحب يقول: ما بقي من أوطاري وأغراضي إلا أن أملك العراق وأتصدر ببغداد وأستكتب أبا إسحاق الصابي ويكتب عني وأغير عليه فقال جدي ويغير علي وإن أصبت انتهى. ويظهر أن تلك الأمنية تنوقلت عنه واشتهرت حتى صرح بها شعراؤه في مدائحهم له ليسروه قال أبو القاسم الزعفراني من قصيدة يمدحه بها:
لا ذكرت العراق ولا عشت إلا * أن أراه يؤمه في الجنود وفي سنة ٣٧٩ زين الصاحب بفخر الدولة الاستيلاء على العراق ففي ذيل تجارب الأمم: كان الصاحب بن عباد على قديم الأيام وحديثها يحب بغداد والرياسة فيها ويراصد أوقات الفرصة لها فلما توفي شرف الدولة سمت نفسه لهذا المراد وظن أن الغرض قد أمكن فوضع على فخر الدولة من يعظم في عينيه ممالك العراق ويسهل عليه فتحها وأحجم الصاحب عن مفاتحته بذلك خوفا من خطر العاقبة إلى أن قال له فخر الدولة ما الذي عندك أيها الصاحب فيما نحن فيه فقال الأمر لشاهانشاه وما يذكر من جلالة