الدّرر النجفيّة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ١٦ - (٤٢) درّة في رسالة الهادي
معاصيه ؛ لأنّه ظاهر العدل والنصفة والحكمة البالغة. بالغ الحجة بالإعذار والإنذار ، وإليه الصفوة يصطفي من عباده من يشاء لتبليغ رسالته واحتجاجه على عباده ، اصطفى محمدا صلىاللهعليهوآله وبعثه برسالاته إلى خلقه ، فقال من قال من كفّار قومه حسدا واستكبارا : (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) [١] يعني بذلك اميّة بن أبي الصلت ، وأبا مسعود الثقفي ، فأبطل الله اختيارهم ولم يجز لهم آراءهم حيث يقول : (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ) [٢].
ولذلك اختار من الامور ما أحبّ ، ونهى عمّا كره ، فمن أطاعه أثابه ، ومن عصاه عاقبه ولو فوض اختيار أمره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار اميّة بن أبي الصلت وأبي مسعود الثقفي ؛ إذ كانا عندهم أفضل من محمد صلىاللهعليهوآله.
فلهذا أدّب الله المؤمنين بقوله (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [٣] ، فلم يجز لهم الاختيار بأهوائهم ، ولم يقبل منهم إلّا اتّباع أمره واجتناب نهيه على يدي من اصطفاه ، فمن أطاعه رشد ومن عصاه ضلّ وغوى ولزمته الحجة بما ملكه من الاستطاعة لاتباع أمره واجتناب نهيه ؛ فمن أجل ذلك حرمه ثوابه وأنزل به عقابه.
وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض ، بذلك أخبر أمير المؤمنين عليهالسلام عباية ابن ربعي الأسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل ، فقال له أمير المؤمنين : سألت عن الاستطاعة ، تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية فقال له
[١] الزخرف : ٣١.
[٢] الزخرف : ٣٢.
[٣] الأحزاب : ٣٦.