الدّرر النجفيّة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ١٣ - (٤٢) درّة في رسالة الهادي
بل نقول : إن الله جلّ وعزّ يجازي العباد على أعمالهم ويعاقبهم على أفعالهم بالاستطاعة التي ملّكهم إياها ، فأمرهم ونهاهم ، بذلك نطق كتابه (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [١] ، وقال جل ذكره (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) [٢] ، وقال (الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ) [٣]. فهذه آيات محكمات تنفي الجبر ومن دان به. ومثلها في القرآن كثيرا اختصرنا ذلك لئلا يطول الكتاب وبالله التوفيق.
وأمّا التفويض الذي أبطله الصادق عليهالسلام وأخطأ [٤] من دان به وتقلّده فهو قول القائل : إن الله جل ذكره فوّض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم. وفي هذا كلام دقيق لمن يذهب [٥] إلى تحريره ودقته. وإلى هذا ذهبت الأئمّة المهتدية من عترة الرسول صلىاللهعليهوآله ؛ فإنهم قالوا : لو فوض إليهم على جهة الإهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه واستوجبوا منه الثواب ، ولم يكن عليهم فيما جنوه العقاب إذا كان الإهمال واقعا.
وتنصرف هذه المقالة على معنيين : إما أن يكون العباد [٦] تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة ؛ كره ذلك أم أحبّ ، فقد لزم الوهن ، أو يكون جلّ وعزّ عجز عن [٧] تعبّدهم بالأمر والنهي على إرادته ؛ كرهوا أو أحبّوا ففوّض أمره إليهم وأجراهما على محبّتهم ؛ إذ عجز عن تعبدهم بإرادته ، فجعل الاختيار إليهم في الكفر والإيمان.
[١] الأنعام : ١٦٠.
[٢] آل عمران : ٣٠.
[٣] المؤمن : ١٧.
[٤] في هامش المصدر إشارة إلى أن في بعض نسخه : خطّأ ، وهو الأقرب. تحف العقول : ٤٦٣ / ه : ٣.
[٥] من «ح» والمصدر ، وفي «ق» : ذهب.
[٦] من «ح» والمصدر ، وفي «ق» : العقاب.
[٧] في «ح» : من ، بدل : عجز عن.