مأساة الزهراء عليها السلام - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٧٣
منه الروائح الكريهة للشهوات البهيمية، وتنبعث فيه الأهواء، وتضج فيه الجرائم.
١٠ ـوفي محيط فرعون، تريد امرأة فرعون أن تتخلى عن لذات محسوسة وحاضرة من أجل لذة غائبة عنها، مع أن الإنسان كثيرا ما يرتبط بما يحس ويشعر به، أكثر ما يرتبط بما يتخيله أو يسمع به، بل هو يستصعب الانتقال من لذة محسوسة إلى لذة أخرى مماثلة لها، فكيف يؤثر الانتقال إلى ما هو غائب عنه، ولا يعيشه إلا في نطاق التصور والأمل بحصوله في المستقبل، ثقة بالوعد الإلهي له.
بل إنها عليها السلام تريد أن تستبدل لذة وسعادة ونعيما حاضرا بألم وشقاء، وبلاء، بل بموت محتم لقاء لذة موعودة.
١١ ـوبعد ذلك كله، إن هذه المرأة لا تواجه رجلا كسائر الرجال، بل تواجه رجلا عرف بالحنكة، والدهاء، والذكاء.
فكما كان عليها أن تواجه استكباره، وسلطانه، وبغيه، وكل إرهابه، وإغراءه، فقد كان عليها أيضا أن تواجه مكره، وأحابيله، وتزويره، وأساليبه الذكية الخداعة، وهو الذي استخف قومه فأطاعوه.
وقد ظهرت بعض فصول هذا الكيد والمكر في الحوار الذي سجله الله سبحانه له مع موسى، ومع السحرة الذين جاء بهم هو، فآمنوا بإله موسى[١].
[١] إن حنكة فرعون كانت عالية إلى درجة أنه ـ كما قال القرآن الكريم ـ
استخف قومه فأطاعوه، أي أنه قد تسبب في التأثير على مستوى تفكيرهم، وخفف من مستوى
وعيهم للأمور.. كما أننا حين نقرأ ما جرى بينه وبين موسى والسحرة، نجده أيضا في
غاية الفطنة والدهاء، فقد قال تعالى: {.. قال فرعون: وما رب العالمين؟! قال: رب السماوات والأرض وما
بينهما إن كنتم موقنين. قال لمن حوله: ألا تستمعون؟! قال ربكم، ورب آبائكم
الأولين. قال: إن رسولكم الذي أرسل إليهم لمجنون}.
سورة الشعراء، الآيات ٢٣ ـ ٢٧. فيلاحظ: إنه حاول في بادئ الأمر أنه يسفه ما
جاء به موسى بطريقة إظهار التعجب والاستهجان. فلما رأى إصرار موسى على مواصلة
الاعلان بما جاء به لجأ إلى اتهامه بالجنون. ولكنه أيضا وجد أن موسى يواصل بعزم
ثابت، وإصرار أكيد، إعلانه المخيف لفرعون فالتجأ إلى استعمال أسلوب القهر والقمع،
فقال لموسى:{قال: لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك
من المسجونين}. فواجهه موسى(ع) بإبطال كيده هذا،
وجرده من هذا السلاح، حيث قال له:{أولو جئتك
بسلطان مبين} فاضطره أمام الناس إلى الرضوخ لذلك
فقال:{فأت به إن كنت من الصادقين}
فأظهر موسى المعجزة التي جردته من سلاح المنطق والحجة. ولكنه مع ذلك
لم يستسلم بل التجأ إلى سلاح آخر، يدلل على حنكته البالغة ودهائه العظيم وعلى درجة
عالية من الذكاء، حيث نقل المعركة فورا من ساحته هذه إلى ساحة الآخرين، وأخرج نفسه
عن دائرتها، وجعل من نفسه إنسانا غيورا على مصلحة الناس، يريد أن يدفع الشر عنهم،
وأن يحفظ لهم مواقعهم فأظهر أن ما جاء به موسى
(ع) لا يعنيه هو ولا
يهدد موقعه، وإنما هو يستهدفهم دونه فالقضية إذن هي قضيتهم، فلا بد أن يبادر كل منهم
لمواجهتها، وليست هي قضية يمكن التفريط في شأنها، ولا هي تسمح لهم باللامبالاة، أو
التأجيل، أو التواكل، مستفيدا من طبيعة المعجزة عنصر التمويه عليهم والتشويه
للحقيقة، حيث اعتبر إن انقلاب العصا إلى ثعبان وخروج اليد بيضاء، سحرا يريد موسى
أن يتوسل به إلى إخراجهم من أرضهم، فهو قد حول المعجزة القاهرة إلى دليل له، يبطل
به دعوى موسى التي جاءت المعجزة لإثباتها وتأكيدها، ثم ألقى الكرة في ملعبهم، وجعل
القرار لهم. واستطاع من خلال ذلك أن يقتنص فرصة جديدة يستدرك بها شيئا من القوة
لمواجهة موسى.. وهذا هو ما أوضحته الآيات التالية: {قال: فأت به إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان
مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين. قال للملأ حوله: إن هذا لساحر عليم، يريد
أن يخرجكم من أرضكم بسحره، فماذا تأمرون. قالوا: أرجه وأخاه وابعث في المدائن
حاشرين} سورة الشعراء: ٢٨ و ٣٦ وراجع سورة طه: ٤٧
/ ٥٧. فكل ذلك يشير إلى أن فرعون لم يكن رجلا عاديا، بل كان على درجة عالية من
الذكاء والمكر والدهاء، وأنه في حين كان قد استخدم كل قدراته من مال وجاه وجيوش،
وقمع وقهر، في سبيل الوصول إلى مبتغاه، فإنه أيضا قد استخدم ذكاءه وأساليبه
المماكرة في سبيل ذلك، حتى {استخف قومه
فأطاعوه} سورة الزخرف: ٥٤. ولننظر بدقة إلى قوله
تعالى {وقال فرعون: ذروني أقتل موسى وليدع
ربه، إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد}
سورة غافر: ٢٦. ولنتأمل في موقف فرعون من السحرة، وطريقة مواجهته
للصدمة التي نتجت عن إيمانهم بما جاء به موسى، فإنه هو الآخر، دليل آخر يضاف إلى
ما تقدم على حنكته وذكائه، وطبيعة أساليبه الماكرة والفاجرة. ولسنا هنا بصدد
التوسع في هذا الموضوع، ولم نرد إلا التنويه والإشارة لندلل من خلال ذلك على عظمة
الانجاز، وقيمة النصر الذي حققه نبي الله موسى(ع) على هذه الطاغية المستكبر
والماكر.