نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤ - القسم الأول بعد العقول عن معرفة الذات الإلهية!
عن الحدود وعدم تناهي نعمه وآلائه؛ الأمر الذي يستبطن ويعلل عجزنا عن إدراك ذاته القدسية واستحالة أداء حقّه في الشكر والحمد (وهو يشير في هذه المرحلة إلى أربعة أوصاف) وأخيراً يشير عليه السلام في المرحلة الرابعة إلى خلق العالم والكائنات، وكأنه أراد أن يكشف النقاب عن هذه الحقيقة وهى أن معرفة الذات الإلهية إنّما تقتصر على هذا السبيل، والذي يمثل منتهى قدرتنا واستطاعتنا (ويشير في هذه المرحلة إلى ثلاث من صفاته الفعلية).
ويفيد هذا الأمر أنّ الدقة والنظام هى الأسس التي استندت إليها هذه العبارات الرفيعة التي تضمنتها الخطبة التي أوردها هذا المعلم الرباني.
الآن وبعد هذه النظرة العامة نعود إلى بحث وتفسير هذه الأوصاف الاثني عشر التي اشتملت عليها الخطبة:
فقد استهل الإمام عليه السلام خطبته بحمد اللَّه والثناء عليه مع التصريح بالعجز عن أداء حق الحمد، فقال عليه السلام:
«الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقائِلُونَ». [١]
وذلك لأنّ أوصافه «الكمالية» و «الجمالية» لا تعرف الحدود، فما يؤديه الملائكة والناس من حمد ومدح إنّما يتوقف على مقدار معرفتهم بالذات المطلقة لا بمقدار كمالاته جل وعلا. وأنى لسائر الأفراد بزعم المعرفة وهذا النبي الكريم الذي يمثل أعظم أنبياء اللَّه يظهر عجزه عن معرفة الخالق المتعال فيصرح قائلًا:
«ما عرفناك حق معرفتك» [٢]
. فاذا عجز الإنسان عن معرفته فكيف يسعه حمده ومدحه؟ وعليه فان ذروة حمدنا، ما أورده الإمام عليه السلام؛ أي إظهار العجز عن حمده وثنائه والاعتراف باستحالة بلوغ هذه الدرجة على جميع مخلوقاته سبحانه.
فقد ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ اللَّه أوحى إلى نبيّه موسى عليه السلام أن اشكرني
[١] كثر الكلام بين اللغوين ومفسري القرآن ونهج البلاغة بشأن معنى الحمد والمدح والشكر، غير أنّ المشهور بينهم أنّ الحمد هو كل مدح إزاء الإعمال الحسنة الاختيارية؛ بينما ينطوي المدح على مفهوم أوسع يشمل الإعمال الاختيارية وغير الاختيارية، أمّا الشكر فأخص من المدح ويقتصر على إيصال أحدهم نعمة إلى آخر فيشكره على تلك النعمة. (من أراد المزيد فليراجع مجمع البحرين، لسان العرب، المفردات، شرح ابن الهيثم وشرح العلّامة الخوئي). بينما صرّح بعض مفسري القرآن ونهج البلاغة كالزمخشري في الكشاف وابن أبي الحديد في شرحه أن «الحمد والمدح أخوان، لا فرق بينهما)، ويبدو أن التفسير الأول أصح.
[٢] أورد العلّامة المجلسي ضمن توضيحه لبعض الأخبار في البحار، تعليقاً على كلام المحقق الطوسي هذا الحديث «ما عبدناك حق عبادتك وما عرفناك حق معرفتك» دون ذكر سنده. بحار الانوار ٦٨/ ٢٣.