نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٢ - مراحل خلقة آدم عليه السلام من الناحية الجسمية والروحية
زود بها الإنسان ويوظف كلًا منها في مجال من مجالات حياته بحيث يلائم بينها جميعاً في مسيرته نحو الهدف المنشود (والقوى المذكورة عبارة عن قوة الإدراك وقوة الحفظ وقوة الخيال و ...). وهنا لابدّ من الالتفات إلى أنّ الذهن في الأصل يعني القوة، ثم استعمل بمعنى العقل والفهم والدراية وسائر القوى العقلانية، فالعبارة تشير إلى أنّ الإمام عليه السلام قد عنى مختلف هذه القوى معتبراً كل واحدة منها نعمة وعناية من العنايات الإلهية ثم قال عليه السلام:
«وفكر يتصرف بها»
. قد يتصور أحياناً أنّ هذا التعبير من قبيل العطف التفسيري والتعبير الآخر لمفهوم العبارة السابقة، غير أنّ الظاهر هو أنّ كل عبارة من العبارتين تشير إلى حقيقة:
فالعبارة
«ذا أذهان يجيلها»
إشارة إلى مراحل المعرفة والتصور والتصديق وفهم وإدراك الحقائق، وأمّا العبارة
«وفكر يتصرف بها»
فهى إشارة إلى الأفكار التي تخضع لمرحلة التطبيق ويتصرف الإنسان بواسطتها في مختلف الأشياء (لابدّ من الالتفات هنا إلى أنّ الفكر في الأصل يعني الحركة الفكرية وتوظيف الذهن). على كل حال فقد جاءت مفردة «فكر» بصيغة الجمع (كالأذهان بصيغة الجمع) لتفيدان القوى العقلية والأفكار الإنسانية كثيرة للغاية ومتنوعة، وهذه نقطة مهمّة أكدها كبار الفلاسفة والمفكرين وعلماء النفس، وإليها تعزى الفوارق في الاستعدادات الفكرية لافراد البشرية. فربما كان هناك الأفراد الأقوى في قسم منها وأضعف في القسم الآخر بينما هنالك العكس، فالمسألة تنطوي على أسرار ورموز عجيبة للغاية، وكلما غاص الإنسان في كنهها تعرف أكثر على عظمة الحق خالق هذه القوى الذهنية والفكرية. ثم يتطرق عليه السلام بعد ذلك إلى شيئين يسهمان في ايصال الإنسان إلى هدفه المطلوب وهما الجوارح والأدوات التي زوده بها اللَّه سبحانه لتسه له تحقيق ما يصبو إليه
«وجوارح يختدمها [١] وأدوات
يقلبها»
. فالواقع هو أنّه يجتاز أربع مراحل لبلوغ الهدف: تمثلت المرحلة الاولى بالمعرفة والإدراك والتصور والتصديق ومرحلة الفكر ومن ثم ائتمار الأعضاء والجوارح، وأخيراً الاستعانة بالأدوات المختلفة التي خلقها اللَّه في هذا العالم حين لا تجدي الأعضاء والجوارح بمفردها نفعاً، كما أنّ كل مرحلة من هذه المراحل الأربع متنوعة تتفرع منها عدّة فروع. ولما
[١] «يختدم» من مادة «اختدام» بمعنى الاستخدام.