نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١١ - مراحل خلقة آدم عليه السلام من الناحية الجسمية والروحية
والفك العلوي والسفلي وراحة القدم بحيث يتكيف البدن للقيام بمختلف الأعمال والفعاليات، وذلك لتعذر قيامه بمثل هذه الأفعال التي يمارسها اليوم لو كان البدن على هيئة جسم هندسي مكعب أو ما شابه ذلك. أمّا العبارة
«وأعضاء وفصول»
فهى تشير إلى الأعضاء المختلفة التي ترتبط مع بعضها من خلال المفاصل؛ الأمر الذي أكسب البدن القدرة العملية على ممارسة مختلف الانشطة فلو كانت يد الإنسان على سبيل المثال مستوية ذات عضو واحد وعظم واحدلا تقوى على أداء الفعاليات التي تؤديها الآن، بينما نعلم أنّ البارئ سبحانه جعلها عدّة عظام وغضاريف وعدّة أعضاء متصلة مع بعضها البعض الآخر؛ الأمر الذي جعل كل اصبع بل كل سلامية من أصابعه واضافة لليد تتمتع بعملية خاصة وهذه بدورها تعدّ آية من آيات حكمته وعظمته سبحانه. ثم أشار الإمام عليه السلام إلى مرحلة لاحقة فقال:
«اجمدها حتى استمسكت واصلدها [١] حتى صلصلت [٢]»
وبذلك فقد أعد الإنسان إعداداً تاماً من الناحة البدنية بحيث يسير إلى الغاية المعينة المرسومة له
«لوقت معدود وأجل معلوم [٣]»
. فقد روي في بعض الروايات عن الإمام الباقر عليه السلام أن هذه الحالة دامت أربعين سنة، فكان جسد آدم ملقى في موضع والملائكة تمر به وتقول لأيأمر خلقت؟ [٤]
ولعل هذه المدّة الزمانية- كما صرّح بذلك بعض المحققين- كانت اختباراً للملائكة أو إرشاداً وتعليماً للناس بالتأني في الامور وعدم الاستعجال فيها. وهنا جاءت المرحلة الثانية؛ مرحلة نفخ الروح في الجسد ليتحول إلى هذه الطبيعة الإنسانية التي زود فيها الإنسان بقوى العقل والإدراك التي تسوقه لممارسة الأعمال:
«ثم نفخ فيها من روحه فمثلت [٥] إنساناً ذا
أذهان يجيلها» [٦]
. العبارة
«ذا أذهان يجيلها»
إشارة إلى مختلف القوى العقلية والذهنية التي
[١] «أصلد» من مادة «صلد» على وزن صبر بمعنى أحكم وجعل الشيء صلباً أصلتاً.
[٢] «صلصل» من مادة «صلصلة» بمعنى اليبوسة والجفاف بحيث تخرج منها الأصوات بمجرّد ملامستها لشيء، كما وردت بمعنى الجاف والمحكم.
[٣] اللام في «لوقت معدود» بمعنى إلى. ذهب البعض إلى أنّها لام التعليل، بينما احتمل البعض أنّ المراد بهذه العبارة هو أنّ هذا الوضع سيستمر إلى قيام الساعة ثم تتفكك بعد ذلك أعضاء البدن تماماً، إلّاانّ هذا الاحتمال يبدو مستبعداً للغاية، لأنّه من المراحل المختلفة لخلق الإنسان ولم تطرح لحد الآن قضية نفخ الروح.
[٤] «فبقى أربعين سنة ملقى تمر به الملائكة فتقول لأمر ما خلقت؟». منهاج البراعة ٢/ ٤٤.
[٥] «مثلت» من مادة «مثول» على وزن حصول بمعنى استوت وقامت.
[٦] «يجيل» من مادة «اجالة» (مصدر باب أفعال من جول وجولان بمعنى يدور).