نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٨ - القسم الثاني الجاهل المتشبه بالعالم
وتشبيهات غاية في البلاغة والجمال فقال عليه السلام:
«جاهل خباط [١] جهالات»
، فهو كالأعمى في الظلمات المليئة بالمخاطر
«عاش ركاب عشوات» [٢]
فالإمام عليه السلام لا يكتفي بوصفه بالجاهل، بل يؤكد ذلك ليصفه بأنّه يغط دائماً في هالة من الجهل، كما لا يكتفي الإمام عليه السلام بعشوته وعماه بل يصوره بانه يمتطي الظلمة والعتمة ويحث السير دون أن يعلم أين يسير وإلى أين سينتهي به هذا المسير. المفردة عاش من مادة عشا، فسرت بالعمى المطلق، كما فسرت يضعف الرؤية وقيل أيضا يراد به عشوة الليل، ومهما كانت فانّ المراد هو أن صاحبها لا يستطيع رؤية ما حوله من الأشياء، فاذا ما تحرك سقط في الهاوية، بل قادته حركته إلى الجحيم، وهذا هو حال من يتصدى للقضاء بين الناس دون الاستناد إلى العلم والمعرفة ويزج بنفسه في هذا الطريق الشائك المليء بالمخاطر، فكلما مر عليه يوم من حياته كثر بؤسه وشقائه لنفسه وللناس حتى ينتهي به المطاف إلى السقوط في وادي الكفر والضلال، والأنكى من كل ذلك أنّ مثل هذا الفرد يرى نفسه عالماً ضالعاً بموازين القضاء والحق والعدل فلا يسع أحد احصاء خطاياه وذنوبه!
ثم ينتقل الإمام عليه السلام لبيان صفة اخرى من صفات هذا الجاهل المتخبط
«لم يعض على العلم بضرس قاطع»
، فقد شبهه الإمام عليه السلام بمن يتناول الطعام دون المضغ بحيث لا يسع الجسم هضمه. ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أن المراد بالضرس هنا سن العقل الذي يظهر في مرحلة تكامل العقل، وكأن هؤلاء الجهال ليس لهم سن عقل، فهم لا يقيمون القضايا بشكل سليم، وبالمقابل هنالك الأفراد العلماء الحلماء الذين يتحدثون بالضرس القاطع؛ أي أنّ حديثهم يستند إلى أسس العقل والمنطق السليم.
وقال عليه السلام في صفتهم الثالثة أنّهم كالريح العاصف التي تهلك الحرث والزرع فهى تهب هوجاء دون هدف وهذا حال تعامل الجاهل مع الروايات الإسلامية
«يذرو [٣] الروايات ذرو الريح الهشيم [٤]»
. إشارة إلى أنّه يطالع ظاهرياً الموضوعات التي تصدت لبيانها الروايات
[١] «خباط» من مادة «خبط»، صيغة مبالغة من خبط الليل إذ سار فيه على غير هدى، ومن هنا يطلق خابط أو ضابط على الفرد المجنون او الذي لا يستطيع توازنه.
[٢] «عشوات» جمع «عشوة» بمعنى الظلمة.
[٣] «يذرو» من مادة «ذرو» على وزن ضرب بمعنى ينثر (وقد وردت هذه المفرة بهيئة ناقص واوي وناقص يائي).
[٤] «هشيم» من مادة «هشم» بمعنى ما يبس من النبات وتهشم وتفتت.