نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٩ - القسم الثاني الجاهل المتشبه بالعالم
والسنّة النبوية، ولكن ما جدوى ذلك وهو يفتقر إلى تقييمها الصحيح، فهو لا يمتلك العلم بمضمونها ولا بقوة سندها من ضعفه، كما لا يعرف الجمع بين الروايات المتعارضة ولا يميز المحكمة من المتشابهة. فهو بالضبط كالريح الهشيم التي تذرو النباتات هنا وهناك. فالنباتات الجافة (الهشيم) قد لا تكون لها أية فائدة، بينما قد تفيد إذا جمعت، أمّا الريح الهوجاء تزيل حتى هذه الفائدة الضئيلة من خلال ذروها وتفريقها، وهذا ما عليه الحال بالنسبة للأفراد الجهال الذين يتعاملون مع الروايات دوتن أن تكون لهم معرفة صحيحة بغشها من سمينها وصحيحها من سقيمها.
ثم يتطرق الإمام عليه السلام إلى صفتهم الرابعة، ليقسم بأنّ هؤلاء الجهال ليسوا حريين بحل ما ترد عليهم من قضايا ولا جديرين بأدنى مدح واطراء يمارسه المتلمقون تجاههم
«لاملي- واللَّه- باصدار [١] ما ورد عليه، ولا أهل لما قرظ [٢] به».
ممّا لا شك فيه أنّ الفصل في الخصومات القضائية والذي يصطلح عليه الفقهاء برد الفروع إلى الأصول إنّما يتطلب رصيداً علمياً ثراً لا يتحلى به هؤلاء الجهال المغرورون، وهذه الضحالة العلمية تفحمهم وتجعلهم يضلون سبل التعامل مع القضايا فلا يميزوا كيفية الدخول فيها أو الخروج منها (المراد بالدخول والخروج هنا ما تعارف بشأن الموضوعات المطروحة على العلماء فيقال أن فلاناً يعلم كيف يرد هذه المسائل وكيف يخرج منها، والفرد الجاهل يفتقر بالمرة لهذه المسألة).
أمّا إحدى مشاكل هؤلاء الأفراد هى إطاحتهم بثلة من المتملقين الذين يهدفون إلى تحقيق مطامعهم الدنيوية فيطرونهم بمختلف ألوان المدح والثناء ويضفون عليهم ما لا يستحقونه من الصفات، فيطرب هؤلاء الجهال لمثل هذه الأكاذيب والنعوت الفارغة رغم علمهم بكذبها وزيفها إلّاأنّهم وبمرور الزمان يظنون أنّهم كذلك وهذه قمة البؤس والشقاء التي يبلغونها بحيث تغلق أمامهم كافة سبل النجاة. [٣]
[١] «اصدار» من مادة «صدور» ضد الدخول.
[٢] «قرظ» بمنى مدح.
[٣] ذكر بعض شراح نهج البلاغة هنا المفردة «فرط» من مادة التفريط و «فوض» من مادة التفويض بدلاد من «قرظ» من مادة «التقريظ» بمعنى المدح و الثناء. و حيث آلينا على أنفسنا ألانجرى خلف اختلاف نسخ نهجالبلاغة و نكتفى بالنسخة المعروفة المتداولة اليوم، لذلك نغض الطرف عن الخوض فى ما ذكروه.