نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٠ - اليقظة والوعي في الامتحان
ومن الطبيعي أن تهب بعض الفئات التي تعرض مصالحهم اللامشروعة للخطر لابداء ردود الفعل واظهار المقاومة؛ الأمر الذي يعقد الامتحان بما يجعل الحاكم الخبير كالإمام علي عليه السلام يوقظ الامّة وينبهها إلى الأخطار المتربصة بها وهنا لابدّ من الالتفات إلى أنّ البعض فسّر البلية بالبلاء والمشاكل، في حين نراها تعني الامتحان والاختبار ويؤيد ذلك سائر عباراته الواردة في الخطبة. ثم خاض عليه السلام في تفاصيل هذا الامتحان الإلهي الكبير ليوضحه بمثالين، فقد ذكر أولًا
«والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة [١] ولتغربلن غربلة» [٢]
وهذه هى الطبيعة التي تسود كل نهضة ربانية في غربلة المجتمع حين تتويج مسيرتها بالنصر. فهناك إقصاء لأصحاب السطوة الخونة واستبدالهم بالمجموعة الصالحة المستضعفة، وهذا بعينه ما مارسه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بعيد انتصار ثورته المباركة. فقد نحي أبو سفيان ومن لف لفه من طغمة الفساد ليفسح المجال لصهيب والخباب وبلال. أضف إلى ذلك فقد نحيت الشخصيات المستبدة التي استندت إلى منطق القوة على عهد عثمان بعد بيعة أمير المؤمنين علي عليه السلام لتخلفها القوى الشعبية المخلصة.
وثانياً
«ولتساطن سوط [٣] القدر حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم»
. نعم فطبيعة كل ثورة أن تضع في النهضات الربانية التي تنبثق في المجتمعات الفاسدة فانّها تطيح بالمفسدين وترفع المستضعفين ليمارسوا دورهم في السلطة.
ثم يواصل الإمام عليه السلام كلامه بالقول:
«وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا»
والعبارة الثانية إشارة إلى بعض الأفراد كطلحة والزبير الذين كانا يوماً في الصفوف الاولى بينما دفعتهم بعض العوامل للتراجع عن تلك الصفوف، بينما تشير العبارة الاولى إلى بعض الأفراد كصحب الإمام عليه السلام وأتباعه الذين أصبحوا يوماً جلساء الدار، بينما سنحت لهم الفرصة على عهد الإمام ليتقدموا ويسبقوا كما احتمل البعض أن يكون المراد المستقبل الذي سيشهد تردي الأوضاع فيتقدم بنو أمية ويتصدرون الامور ويتأخر السابقون
[١] «بلبلة،» ذكر أرباب اللغة عدّة معان لهذه المفردة منها الاختلاط وهذا هو المعنى المناسب لها في هذه العبارة.
[٢] «غربلة،» لها معنيان أحدهما فصل الخبيث من الطيب بالغربال (بكسر الغين وضمها) والآخر القطع والفصل.
[٣] «سوط» أي كما تختلط الابزار ونحوها في القدر عند غليانه فينقلب أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها، وكل ذلك حكاية عمّا يؤولون إليه من الاختلاف وتقطع الأرحام وفساد النظام.