نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٩ - القسم الثالث سبيل النجاة
فالعبارة إشارة للمسألة المعروفة لدينا بأنّ السبل المنحرفة التي تقود الإنسان إلى الضلال.
ولعل المراد باليمين والشمال هو الإفراط والتفريط الذين لا يوصلان إلى الهدف الذي لا سبيل إليه سوى الصراط المستقيم الذي يمثل الاعتدال بين الإفراط والتفريط، ومن هنا صرّح القرآن الكريم بقوله: «وَكَذ لِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً» [١]. وقد صرّح كبار علماء الأخلاق بأن كافة الصفات الفضلى إنّما هى الاعتدال بين الصفات الرذيلة التي تقع على طرفي الإفراط والتفريط.
وذهب بعض مفسّري نهج البلاغة إلى أنّ المراد بالطريق الوسطى مسألة الإمامة وولاية الأئمة المعصومين التي يقود الإفراط والتفريط فيها إلى الضلال. ولا نرى من ضير في ان تختزن هذه العبارة كافة المعاني فتشمل قضية الولاية كما تشمل سائر المسائل العقائدية والعملية والأخلاقية.
أمّا بشأن معرفة اللَّه فقد وقعت طائفة في مصيدة التشبيه فتشبهت الخالق بمخلوقاته، بينما ذهبت اخرى إلى تعطيل معرفته على أن ذات الخالق وصفاته متعذرة على البشر حتى المعرفة الإجمالية، وهناك الحد الوسط بين التشبيه والتعطيل والذي يعني معرفة اللَّه عن طريق أفعاله دون كنه الذات. وبالنسبة لأفعال العباد فليس الجبر صحيحاً ولا التفويض، والطريق الوسط هو الأمر بين الأمرين، وهكذا القول بشأن الولاية لا الغلو صحيح ولا التقصير، وهذا ما يصدق على الأخلاقيات والأعمال، فمثلًا في الانفاق الصحيح هو الحد الوسط بين البخل والاسراف.
والطريف أنّ الفرق التي وقفت بوجه الإمام عليه السلام لم تخرج من تلك الحالتين، ففرقة الخوارج سلكت الافراط، بينما انتهج أهل الشام التفريط، وقد ضلت الفئتان في معرفة الإمام عليه السلام. ثم خاض عليه السلام في خصائص الجادة الوسطى المعتدلة
«عليها باقي الكتاب وآثار النبوة، ومنها منفذ السنّة، وإليها مصير العاقبة»
. هناك تفسيران لقوله عليه السلام:
«عليها باقي الكتاب»
: أحدهما المراد القرآن الكريم؛ الكتاب الخالد والذي انفرد بالمعارف والقوانين والأحكام التي
[١] سورة البقرة/ ١٤٣.