نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٦ - القسم الثاني الجاهل المتشبه بالعالم
أيضاً، وإن كان هذا التفسير لا ينسجم وبعض العبارات القادمة. ثم قال عليه السلام:
«حتى إذا ارتوى من ماء آجن [١] واكتثر من غير طائل [٢]، جلس بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره».
أجل أنّ هذا الفرد الجاهل والضال المتشبه بالعالم الذي يتمتع برصيد علمي مشوه مفعم بالأخطاء وله روح ونفس ولعة بعالم المادة شغفة بزخارف الدنيا وزبرجها، إنّما وضع نفسه في موضع لا يتصدره سوى نبي أو وصي، كما ورد ذلك في الحديث المعروف عن الإمام علي عليه السلام حين خاطب شريح القاضي قائلًا:
«يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلّانبي أو وصي نبي أو شقي» [٣]
، والأدهى من ذلك يزعم أنّ هنالك حقائق، ولا غرو فهذه هى المزاعم والادعاءات الفارغة التي يتشدق بها كافة الجهال المتشبهين بالعلماء.
والآن بعد أن تصدى هذا الجاهل للقضاء فما عساه أن يفعل، قال الإمام عليه السلام بهذا الشأن:
«فان نزلت به احدى المبهمات هيا لها حشوا رثامن رأيه، ثم قطع به».
الحشو بمعنى الكلام الزائد الذي لا فائدة فيه، والرث بمعنى الخلق القديم ضد الجديد، فقوله عليه السلام: «حشوا رثامن رأيه» كأنّها إشارة إلى أنّه ليس من أهل الخلاقية والمبادرة، كما ليس له ذهنية متفتحة، وأخيراً لايمكنه أن يجمع الأدلة المقيدة التي تعينه على اصدار الحكم. فليس له رصيد سوى حفنة من الأفكار الزائدة التي لا طائل من وراءها وهى رثة قديمة أكل الدهر عليها وشرب، وهذا هو اسلوبه وديدنه ويقينه في الحكم.
ومن الطبيعي أن لا تؤدي هذه المقدمات الباطلة والفاسدة إلى أي يقين، فهو يخدع الناس متظاهراً لهم باليقين، وعلى فرض كونه وصل إلى اليقين فانه ليس معذوراً عند اللَّه لأنّه سلك الخطأ والتقصير في المقدمات. فالمشاكل القضائية كسائر المشاكل العلمية والاجتماعية والسياسية إنّما تعالج دائماً عن طريق دراسة المقدمات الصحيحة والمنطقية؛ فذلك الذي ليست لديه أدنى معرفة بهذه المقدمات الصحيحة وقد تعلقت أفكاره بالمسائل الباطلة فانّه ليس
[١] «آجن» بمعنى الماء العفن.
[٢] «طائل» من مادة «طول» على وزن قول بمعنى الفائدة والامتداد، ومن غير طائل تعني دون فائدة.
[٣] الوسائل الشيعه ١٧/ ٣٧ (واضح أن وصي النبي هنا تنطوي على مفهوم واسع يشمل العلماء العدول من أتباع النبي).