نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٧ - القسم الثاني الجاهل المتشبه بالعالم
فقط لا يتوصل إلى النتيجة الصائبة فحسب، بل سيغط في هالة من الحيرة والتخبط والضلال كما سيسوق الآخرين إلى الضلال؛ والانكى من ذلك أنّه كلما تقدم أكثر في هذا المجال ابتعد اكثر عن الوقائع والحقائق.
ثم يواصل الإمام عليه السلام كلامه «فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت [١]». وقد اختلفت أقوال الشرّاح بشأن التشبيه الذي استعمله الإمام عليه السلام في هذه العبارة، فاوردوا بعض التفاسير التي لا تخلو من التكلف والتقدير والتغيير في العبارة- أمّا التفسير الذي يبدو مناسباً هو أنّ الإمام عليه السلام شبه هؤلاء الأفراد الجهال المغرورين ضعيفي الفكر بالعنكبوت حيث ينسج لنفسه خيوطاً تكون حرزاً لبيته كما تكون فخاً لصيده، امّا بيته فهو أوهن البيوت ولا يمكن الوثوق به أبداً، كما أنّ فخه لا يطيل سوى الحشرات الضعيفة العاجزة.
نعم هذا الجاهل أيضاً ليس لفخه من دور سوى صيد أمثاله من الجهال الحمقى. وعليه فهو كالعنكبوت وأفكاره كخيوطه وهمية ضعيفة وحيدة يقتصر على المغفلين عديمي العلم والمعرفة.
«لا يدري أصاب أم أخطأ، فان أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وان أخطأ رجا أن يكون قد أصاب»
. هذا هو حال الأفراد الجهال الذين يتصدون إلى المناصب الهامّة التي لا يمتلكون الجدارة لممارستها. فهم على شك وترديد دائماً، حتى أنّ اتجهة صوب الصواب فحيث لا يؤمن بذلك فهو متزلزل يطلق سهمه في الظلام دائماً عله يصيب الهدف. ويتصور بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ الجملة الأخيرة تتناقض والعبارة
«ثم قطع به»
لأنّ تلك العبارة تحدثت عن القطع واليقين بينما تتحدث هذه العبارة عن الشك والترديد. والحال أنّ العبارة
«ثم قطع به»
تعني الحكم القاطع لا قطع القاضي ويقينه، فالواقع أنّه يحكم فقط ويتخذ لنفسه صيغة القطع، بينما يفيض باطنه بعاصفة من الشك والترديد. نعم مصيبته الكبرى في دينه، فان أصاب الواقع مصادفة شعر بالتزلزل لأنّه لا يملك الإيمان واليقين، وان هذا التزلزل يؤرقه ولا يجعله قادراً على اتخاذ القرار؛ وان أخطأ فان سبيل الرجوع مغلق بوجهه لأنّه ليس واقفاً على خطأه. ثم انتقل الإمام عليه السلام إلى صفة اخرى ليصور حال هؤلاء الأفراد بتعبيرات قارعة
[١] «العنكبوت» هى الحشرة المعروفة، وهناك اختلاف في أصلها من مادة عكب أن عنكب، وقيل اقتبست من مادة «عكوب» بمعنى الغبار لأنّ خيوطه تشبه الغبار.