نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٥ - القسم الثاني الذنوب شماس كالخيل
حتى تلك الكلمات القصيرة والعبارات الصغيرة. ثم يحذر الإمام عليه السلام من صعوبة الامتحان الإلهي في ظل حكومته وطيلة حياتهم مواصلًا البحث السابق بشأن الذنب والتقوى فقال عليه السلام:
«حق وباطل، ولكل أهل».
أجل فالحياة البشرية ومنذ بدء الخليقة كانت وما زالت مسرحاً للصراع بين هذين الاتجاهين ويختصر الإمام عليه السلام كلامه بالإشارة إلى مسألة حساسة وهى أنّ الباطل إذا قدر له أن يحكم فلا عجب في ذلك فهذا ما حصل منذ قديم الزمان:
«فلئن أمر الباطل لقديماً فعل»
. وإن قل الحق وأتباعه فلا داعي للقلق ولعله يزداد فيهزم الكفر في عقر داره
«ولئن قل الحق فلربما ولعل»
أنّ قصة الصراع بين الحق والباطل وما تخلله من وسائل وأدوات وما تمخض عنه من نتائج طيلة التأريخ الإنساني قصة ذات شجون وسنتطرق إلى هذه التفاصيل في الأبحاث القادمة بما يتناسب وسائر الخطب الواردة بهذا المجال.
أمّا القضية الجديرة بالذكر والتي حظت باهتمام الإمام عليه السلام هى ضرورة عدم الاستيحاش من الحق لقلة سالكيه والاستئناس بالباطل لكثرة سالكيه؛ لأنّ التأريخ يشهد على الدوام بكثرة أتباع الباطل وقلة أتباع الحق، وكثيراً ما كانت تحسم المعارك والصراعات لصالح الحق؛ وهذا ما صرّح به القرآن الكريم على لسان طالوت: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذنِ اللَّهِ» [١]. وهو المعنى الذي أشارت إليه الآية القرآنية الكريمة بالقول: «قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ» [٢]. كما ورد هذا المعنى في الخطبة ١- ٢ من نهج البلاغة
«أيّها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله»
. امّا المسألة التي ينبغي الالتفات إليها هى أنّ هذه الكثرة ليست دليلًا على الأحقية ولا النصر، بل يرى المنطق القرآني والروائي بل ومنطق الربانيين أنّ الملاك إنّما يكمن في الكيفية لا الكمية، ومن هنا فان زوال حكومات الباطل يستتبع زوال كافة آثارها فلا يبقى لها سوى الخزي والعار، بينما تبقى آثار حكومات الحق باقية خالدة.
على كل حال فان الصراع بين الحق والباطل وكثرة جند الباطل إنّما هى في الواقع امتحان إلهي يهدف إلى تمحيص طلاب الحق.
[١] سورة البقرة/ ٢٤٩.
[٢] سورة المائدة/ ١٠٠.