نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٩ - القسم الثاني العصر الجاهلي
فتن الجاهلية بالحيوان الوحشي الذي يركل صاحبه بحافره. والذي يقف على رجليه ليدوس بها أدني حركة تبدو أمامه.
أمّا تعبيره عليه السلام بالسنابك التي تعني طرف الحافر فهى إشارة لطيفة إلى حقيقة مفادها أنّ هذه الفتن لا تعرف الانكسار وهى باقية في إلقاء ضلالها الوخيمة على الناس (لأن مثل هذه الحيوانات حين تقف على أطراف حوافرها إنّما تعلن عن تأهبها لابداء ردود الفعل العنيفة تجاه كل من يقف أمامها».
و عليه فقد كانت الأوضاع في ذلك الزمان على درجة من التعقيد والوخامة بحيث لم يعدّ هنالك من أمل في التغلب عليها. وهذا بالذات ما جعل الإمام عليه السلام يخلص إلى هذه النتيجة بالنسبة لما عليه الناس في ظل تلك الفتن
«فهم فيها تائهون [١] حائرون جاهلون مفتونون».
تائهون إشارة إلى أنّهم قد ضلوا سبيل الحق بالمرة حتى نسوا أنفسهم وخسروا ذاتهم.
حائرون إشارة إلى الحيرة التي سيطرت عليهم فسلبتهم حتى القدرة على اتخاذ القرار الذي من شأنه إنقاذهم من تلك الفتنة. جاهلون أي أنّهم وعلى فرض عزمهم على إتخاذ القرار لنجاتهم فانّ الجهل والتخبط سوف لن يدعهم يبلغون السبيل السليم.
مفتونون إشارة إلى الأوهام والخيالات وإلّا لا عيب والحيل التي استهوتهم فجعلتهم يرون السراب ماءاً والمجاز حقيقة. وقد حصل كل هذا حين كان الناس في خير أرض (في جوار بيت الله الحرام وديار الأنبياء العظام) واسوأ جيران
«في خير دار وشر جيران» [٢]
وأثر ذلك فقد أصبح
«نومهم سهود [٣] وكحلهم دموع»
. والأدهى من ذلك أنّهم يعيشون في مجتمع لا يقيمزنا للعالم بما جعله يفقد قدرته على هدايتهم وإرشادهم بينما يخطى الجاهل في ذلك المجتمع بمكانة لا يحلم بها
«بارض عالمها ملجم وجاهلها مكرم»
هنالك أربعة تفاسير أوردها شرّاح نهج البلاغه بشأنه قوله عليه السلام «فى خير دار» فقد ذهب البعض إلى أنّ المراد بها مكة (بيت اللَّه
[١] تائهون جمع تائه بمعنى الضائع.
[٢] ذهب البعض إلى أن الجار والمجرور في قوله «في خير دار» يتعلق بمفتونين، والحال أن الانسب أن يكون خبر لمبتدأ محذوف تقديره «و الناس في خير دار» والجملة حال لعصر الجاهلية والواو في قوله وشر جيران هى واو المعية.
[٣] سهود مصدر بمعنى الارق وقلة النوم (الصحاح، المفردات، لسان العرب والمقاييس).