نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٧ - القسم الثاني العصر الجاهلي
الجاهلي على أنّها إختلافات صورية في تفرعاتها واطيافها فحسب، بل كانت إختلافات أصولية وأساسية جذرية.
بل يمكن القول إنّ العبارة إشارة إلى معنى يتضمن تزلزل حتى أركان الفطرة الإنسانية والاصول الفطرية التي جبل عليها الإنسان من قبيل التوحيد وعشق الأعمال الصالحة والخيرة؛ أو تغير قيم المجتمع الإنساني وتنكرها حتى عاد لكل معاييره الخاصة للتعامل مع القضايا؛ الأمر الذي أدى إلى تلك الحالة من الفرقة والتشتت و
«تشتت الأمر»
يمكن أن تكون أشارة إلى شدة الخلافات الدينية القصوى آنذاك (على أساس أنّ المراد بهذا الأمر هو أمر الدين) أو إشارة إلى الفرقة والشقاق في كافة الامور الاجتماعية، سواء الامور الدينية والدنيوية والمسائل المرتبطة بالمجتمع والاسرة أو القضايا الاقتصادية أو الأخلاقية.
ويبدو أنّ المعنى الثاني أكثر إنسجاما والعصر الجاهلي؛ وهنا تكمن الطامة الكبرى حيث يغط الإنسان في هالة من الشك والترديد وإنعدام الإيمان وأنواع الاختلافات والشقاقات والفساد والانحراف وليس هنالك من سبيل أمامه للخروج من هذا المأزق حتى يعيش اليأس والقنوط من رأسه إلى أخمص قدمه. وهذه هى الصورة الحقيقية التي رسمها الإمام عليه السلام لذلك العصر.
ثم يتطرق عليه السلام إلى المعطيات السلبية التي أفرزتها تلك الأوضاع المزرية آنذاك فوصفها عليه السلام قائلًا:
«فالهدى خامل [١] والعمى شامل، عصي الرحمن ونصر الشيطان وخذل الإيمان».
من الطبيعي أن يتطلب سبيل طاعة الله نور الهداية من جانب والبصيرة التي تهتدي إلى ذلك النور من جانب آخر؛ فالامّة تتحول إلى رعيل شيطاني تتكالب على الفواحش والرذائل شاءت أم أبت إذا إنعدم في وسطها ذلك النور وفقدت تلك البصيرة.
والجدير بالذكر في العبارة
«عصي الرحمن»
أن الإمام عليه السلام قد إختار هنا اسم الرحمن من بين أسماء الله الحسنى في إشارة إلى أنّه ورغم الرحمة الإلهية التي عمت الجميع دون إستثناء وانّ طاعته أمر فطري وبديهي جبلت عليه النفس البشرية إلّاأنّ هؤلاء العمي البصائر في العصر
[١] «خامل» بمعنى الشيء المنسي الذي لاقيمة له.