نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥ - القسم الأول بعد العقول عن معرفة الذات الإلهية!
حق شكري. قال عليه السلام: إلهي! كيف أؤدي حق شكرك، وشكرك نعمة تحتاج إلى شكر (وهكذا يكون التوفيق إلى الشكر نعمة اخرى تستحق الشكر). فقال: «يا موسى الآن شكرتني حين علمت أنّ ذلك مِنِّي» [١].
وهنا لابدّ من القول بأنّ الإنسان إذا ما قال: الحمد للَّه، فانه أتى به كاملًا دون نقيصة، إلّاأن يكون في حق اللَّه، ولذلك جاء في الخبر أنّ الإمام الصادق عليه السلام خرج من المسجد ولم يظفر بدابته، فقال عليه السلام، إن أعادها لي اللَّه شكرته حق شكره، فلم تمض مدّة حتى أتي بها إليه فقال عليه السلام:
الحمد للَّه. فقيل له: جعلت فداك ألم تقل أشكره حق شكره؟ فقال عليه السلام: ألم تسمع قولي الحمدللَّه. [٢]
أمّا في الوصف الثاني فقد قال:
«ولا يحصي نعمائه العادون»
. وذلك لأنّ نعمه المادية والمعنوية والظاهرية والباطنية والفردية والجماعية لأكثر وأعظم من أن تعدّ وتحصى. فبدن الإنسان- على سبيل المثال- مؤلف ممّا لا يحصى من الخلايا والأنسجة (يبلغ متوسطها عشرة مليارات) التي تشكل كل وحدة منها كائناً حياً ومركباً معقداً ونعمة من نعمه سبحانه والتي يتعذر إحصاء عددها في عشرات الالوف من السنين، فاذا عجز الإنسان عن إحصاء نعم اللَّه في هذا الجانب اليسير فقط، فكيف يسعه أن يحصي جميع هذه النعم والآلاء على المستويات المادية أو المعنوية؟ في الواقع ليس لدينا من علم بكافة نعمه ليتسنى لنا عدّها أو إحصائها.
فأغلب نعمه قد أغرقت كياننا وأحاطت بوجودنا، وحيث لم نسلبها قط فقد غفلنا عنها ولم نحط بها (فلا يشعر بالنعمة إلّابعد فقدانها)، أضف إلى ذلك فان ظفر الإنسان بالنعم والآلاء إنّما يتناسب طردياً واتساع مدى علمه ومعرفته؛ الأمر الذي يؤدي إلى الاذعان- وكما قال أميرالمؤمنين عليه السلام- بهذه الحقيقة
«ولا يحصي نعمائه العادون».
ويمكن لهذه العبارة أن تكون علة للعبارة السابقة
«لا يبلغ مدحته القائلون»
إذ كيف يمكن حمد اللَّه والثناء عليه في ظل العجز عن إحصاء نعمه! ويبدون أنّ هذه النعم ما زالت لا تعرف الحدود رغم الحالة المؤسفة في قيام بعض الظلمة والفئات النفعية باحتكار أغلب النعم أو تضييعها من خلال البذخ
[١] اصول الكافي ٢/ ٩٨، ح ٢٧.
[٢] المصدر السابق/ ٩٧، ح ١٨.