نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦ - القسم الأول بعد العقول عن معرفة الذات الإلهية!
والاسراف والتبذير، وتعريض طبقات المجتمع للتعب والارهاق. ويقول عليه السلام في الوصف الثالث:
«ولا يؤدي حقّه المجتهدون»
. وهذه الجملة في الحقيقة استنتاج ترتب على العبارة السابقة، فاذا تعذر إحصاء النعم فكيف يمكن أداء حقها؟ بعبارة اخرى فإن حقّه بقدر عظمة ذاته القدسية، في حين شكرنا وحمدنا بقدر قدرتنا الزهيدة، فأين هذا الحمد من ذلك الحق! ولا يقتصر هذا المدح والثناء وأداء الحق على العجز في الجانب العملي فحسب بل هو قائم حتى من الناحية الفكرية.
ولذلك أردف عليه السلام- وفي إطار بيانه لوصفين آخرين- قائلًا:
«الذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن [١]»
. وكأنّ التعبير ببعد الهمم وغوص الفطن إشارة إلى حقيقة مؤداها أنّ الأفكار الخارقة مهما انطلقت في قوس الصعود والفطن المتوهجة في قوس النزول فأنها تبقى عاجزة عن إدراك كنه ذاته المقدسة. ولا يترك الإمام الاقرار بهذا العجز دون تقديم الدليل، فيقول:
«الذي ليس لصفته حد محدود، ولا نعت [٢] موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل
ممدود».
أي أنى لنا الاحاطة بكنه ذاته، والحال أن فكرنا بل جميع كياننا محدوداً لا يحسن سوى إدراك الأشياء المحدودة، بينما لا تعرف الذات الإلهية من حدود من جميع النواحي، فليس هنالك من حد أو وصف قابل للإدراك لصفاته المطلقة من الازل إلى الأبد والتي تأبى الاولية والاخروية والبداية والنهاية. ولا يقتصر هذا الأمر على الذات، فصفاته هى الاخرى ليس لها من حدود، فعلمه لا يعرف الحدود، وقدرته لا متناهية، ولا غرو فصفاته عين ذاته التي ليس لها حد محدود.
بعبارة اخرى فانّ اللَّه وجود مطلق ليس له أي قيد وشرط، ولو كان لقيد أو شرط وحد من الحدود من سبيل إلى ذاته لأصبح مركبا، في حين نعلم بأن المركب- كما يقول الفلاسفة-
[١] «همم» جمع همة تعني في الأصل الذويان والجريان والحركة ولهذا يطلق الهم حيث بسبب ذويان الجسم الإنسان وروحه، ثم أطلق على كل أمر مهم أو ما يشغل فكر الإنسان (ورد شبه ذلك في المفردات).
«غوص» تعني فى الأصل الغمس في الماء، ثم أطلقت على الدخول في كل عمل مهم.
«فطن» جمع فطنة على وزن فتنة الفهم و الذكاء حسب لسان العرب.
[٢] «الأجل» بمعنى انتهاء الشيء كعمر الإنسان وما إلى ذلك كالعقود والعهود.