مسند حضرت عبد العظيم حسني (ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ١٥٢
٢٨.وعنه [١] قال : وعنه [٢] قال : أخبرنا الحسين بن عبيداللّه ، عن علي بن محمّد بن محمّد العلوي قال : حدّثني محمّد بن موسى الرقي قال : حدّثنا علي بن محمّد بن أبي القاسم ، عن أحمد ابن أبي عبداللّه البرقي ، عن عبدالعظيم ابن عبداللّه الحسني ، عن أبيه ، عن أبان مولى زيد بن علي ، عن عاصم بن بهدلة ، عن شريح القاضي قال : قال أميرالمؤمنين عليه السلام لأصحابه يوماً وهو يعظهم : ترصّدوا مواعيد الآجال وباشروها بمحاسن الأعمال ، ولا تركنوا إلى ذخائر الأموال فتخلّيكم خدائع الآمال ، إنّ الدنيا خدّاعة صرّاعة ، مكّارة غزّارة سحّارة ، أنهارها لامعة ، وثمراتها يانعة ، ظاهرها سرور ، وباطنها غرور ، تأكلكم بأضراس المنايا ، وتبيركم بأتلاف الرزايا ، لهم بها أولاد الموت ، وآثروا زينتها فطلبوا رتبتها ، جهل الرجل ومن ذلك الرجل المولع بلذّاتها ، والساكن إلى فرحتها ، والآمن لغدرتها ! درّات عليكم بصروفها ، ورمتكم بسهام حتوفها ، فهي تنزع أرواحكم نزعاً ، وأنتم تجمعون لها جمعاً ، للموت تولدون ، وإلى القبور تنقلون ، وعلى التراب تنومون ، وإلى الدود تسلمون ، وإلى الحساب تبعثون . يا ذا الحيل والآراء والفقه والأنباء ! اُذكروا مصارع الآباء ، فكأنّكم بالنفوس قد سلبت ، وبالأبدان قد عريت ، وبالمواريث قد قسمت ، فتصير ـ يا ذا الدلال والهيئة والجمال ـ إلى منزلة شعثاء ، ومحلّة غبراء ، فتنوم على خدّك في لحدك ، في منزل قلّ زوّاره ، وملّ عمّاله ، حتّى تشقّ عن القبور وتبعث إلى النشور ، فإن ختم لك بالسعادة صرت إلى الحبور ، وأنت ملك مطاع ، وآمن لايراع ، يطوف عليكم ولدان كأنّهم الجمان بكأس من معين بيضاء لذّة للشاربين ، أهل الجنّة فيها يتنعّمون ، وأهل النّار فيها يعذَّبون ، هؤلاء في السندس والحرير يتبخترون ، وهؤلاء في الجحيم والسعير يتقلّبون ، هؤلاء تحشى جماجمهم بمسك الجنان ، وهؤلاء يضربون بمقامع النيران ، هؤلاء يعانقون الحور في الحجال ، وهؤلاء يطوقون أطواقاً في النار بالأغلال ، في قلبه فزع قد أعيى الأطبّاء وبه داء لايقبل الدواء . يا من يُسلَم إلى الدود ويُهدى إليه ! اعتبر بما تسمع وترى ، وقل لعينيك تجفو لذّة الكرى ، وتفيض من الدموع بعد الدموع تترى ، بيتك القبر بيت الأهوال والبلى ، وغايتك الموت ، يا قليل الحياء ! إسمع يا ذا الغفلة والتصيف ، من ذي الوعظ والتعريف ، جعل يوم الحشر يوم العرض والسؤال ، والحباء والنكال ، يوم تقلَّب إليه أعمال الأنام ، وتحصى فيه جميع الآثام ، يوم تذوب من النفوس أحداق عيونها ، وتضع الحوامل ما في بطونها ، ويفرق بين كلّ نفس وحبيبها ، ويحار في تلك الأهوال عقل لبيبها ، إذ تنكرت الأرض بعد حسن عمارتها ، وتبدّلت بالخلق بعد أنيق زهرتها . أخرجت من معادن الغيب أثقالها ، ونفضت إلى اللّه أحمالها ، يوم لاينفع الجدّ إذ عاينوا الهول الشديد فاستكانوا ، وعرف المجرمون بسيماهم فاستبانوا ، فانشقّت القبور بعد طول انطباقها ، واستسلمت النفوس إلى اللّه بأسبابها . كشف عن الآخرة غطاؤها ، وظهر للخلق أنباؤها ، فدكّت الأرض دكّاً دكّاً ، ومدّت لأمر يراد بها مدّاً مدّاً ، واشتدّالمثارون إلى اللّه شدّاً شدّاً ، وتزاحفت الخلائق إلى المحشر زحفاً زحفاً ، وردّ المجرمون على الأعقاب ردّاً ردّاً . وجدّ الأمر ـ ويحك يا إنسان ـ جدّاً جدّاً ، وقربوا للحساب فرداً فرداً ، وجاء ربّك والملك صفّاً صفّاً ، يسألهم عمّا عملوا حرفاً حرفاً ، فجيء بهم عراة الأبدان ، خشّعاً أبصارهم ، أمامهم الحساب ، ومن ورائهم جهنّم يسمعون زفيرها ، ويرون سعيرها . فلم يجدوا ناصراً ولا وليّاً يجيرهم من الذلّ ، فهم يعدون سراعاً إلى مواقف الحشر ، يساقون سوقاً ، فالسماوات مطويّات بيمينه كطيّ السجلّ للكتب ، والعباد على الصراط وجلت قلوبهم ، يظنّون أنّهم لا يسلمون ، ولا يؤذن لهم فيتكلّمون ، ولا يقبل منهم فيعتذرون . قد ختم على أفواهمم ، واستنطقت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، يا لها من ساعة ما أشجى مواقعها من القلوب حين ميِّز بين الفريقين ؛ فريق في الجنّة وفريق في السعير ، من مثل هذا فليهرب الهاربون ، إذا كانت الدار الآخرة لها يعمل العاملون [٣] .
[١] عن شريح القاضي .[٢] الأمالي للطوسي ٦٥٢ .