مصارع الشهداء ومقاتل السعداء - آل عصفور، الشيخ سلمان - الصفحة ٣٨ - المصرع الثاني وهو مصرع فاطمة الزهرا صلوات الله عليها
وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب والغرباء والأنساب ، ولم تلق إلاّ كلّ باك وباكية ، ونادب ونادبة ، ولم يكن في أهل الأرض والأصحاب والأقرباء والأحباب أشدّ حزناً وأعظم بكاءً وانتهاباً من مولاتي فاطمة الزهرا عليهاالسلام ، وكان حزنها يتجدّد ويزيد ، وبكاؤها يشتدّ.
فجلست سبعة أيّام لا يهدأ لها أنين ، ولا يسكن منها الحنين ، كلّ يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأوّل ، فلمّا كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن ، فلم تطق صبراً إذ خرجت وصرخت ، فكأنّها من فم رسول الله صلىاللهعليهوآله تنطق.
فتبادرت النسوان وخرجت الولائد والولدان ، وضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وجاء الناس من كلّ مكان ، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات النساء وخيّل إلى النسوان أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قد قام من قبره ، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم ، وهي عليهاالسلام تنادي وتندب أباه : « وا أبتاه ، وا صفياه ، وا محمّداه ، وا أبا القاسماه ، وا ربيع الأرامل واليتامى ، مَن للقبلة والمصلّى ؟ ومَن لابنتك الوالهة الثكلى » ؟
ثمّ أقبلت تعثر في أذيالها وهي لا تبصر شيئاً من عَبرتها ، ومن تواتر دمعتها ، حتّى دنت من قبر أبيها محمّد صلىاللهعليهوآله ، فلما نظرت إلى الحجرة وقعت طرفها على المأذنة فقصرت خطاها ، ودام نحيبها وبكاها ، إلى أن أغمي عليها ، فتبادرت النسوان إليها ، فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتّى أفاقت ، فلمّا أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول :
« رفعت قوّتي ، وخانني جلدي ، وشمت بي عدوّي ، والكمَد قاتلي ، يا أبتاه ، بقيت والهة وحيدة ، وحيرانة فريدة ، فقد انخمد صوتي ، وانقطع ظهري ، وتنغصّ عيشي ، وتكدّر دهري ، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيساً لوحشتي ، ولا رادّاً لدمعتي ، ولا معيناً لضعفي ، فقد فني بعدك محكم التنزيل ومهبط جبرئيل ومحلّ ميكائيل ، انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب ، وتغلّقت دوني الأبواب ، فأنا للدنيا بعدك قالية ، وعليك ما تردّدت أنفاسي باكية ، لا ينفد شوقي إليك ، ولا حزني عليك ».
ثمّ نادت : « يا أبتاه ، وا لبّاه ». ثم قالت :
|
إنّ حزني عليك حزن
جديد |
وفؤداي والله صبّ
عنيد |
|
|
كلّ يوم يزيد فيه
شجوني |
واكتئابي عليك ليس
يبيد |
|
|
جلّ خطبي فبان
عنّي عزائي |
فبكائي في كلّ وقت
جديد |
|
|
إنّ قلباً عليك
يألف صبراً |
أو عزاءً فإنّه لجليد |