مصارع الشهداء ومقاتل السعداء - آل عصفور، الشيخ سلمان - الصفحة ٣٩ - المصرع الثاني وهو مصرع فاطمة الزهرا صلوات الله عليها
ثمّ نادت : « يا أبتاه ، انقطعت بك الدنيا بأنوارها ، وزوت زهرتها وكانت ببهجتك زاهرة ، فقد اسودّ نهارها ، فصار يحكي حنادسها ، رطبها ويابسها ، يا أبتاه لا زلت آسفة عليك إلى التلاق ، يا أبتاه زال غمضي منذ حقّ الفراق ، يا أبتاه مَن للأرامل والمساكين ؟ ومَن للأمّة إلى يوم الدين ؟ يا أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين ، يا أبتاه أصبحت النّاس عنّا معرضين ، ولقد كنّا بك معظّمين في الناس غير مستضعفين ، فأيّ دمعة لفراقك لا تنهمل ، وأيّ حزن بعدك عليك لا يتّصل ؟ وأيّ جفن بعدك بالنوم يكتحل ؟ وأنت ربيعة الدين ، ونور النبيّين ، فكيف للجبال لا تمور ، وللبحار بعدك لا تغور ، والأرض كيف لم تتزلزل ، رميت يا أبتاه بالخطب الجليل ، ولم تكن الرزيّة بالقليل ، وطرقت يا أبتاه بالمصاب العظيم وبالفادح المهول.
بكتك يا أبتاه الأملاك ، ووقفت الأفلاك ، فمنبرك بعدك مستوحش ، ومحرابك خال من مناجاتك ، وقبرك فرح بمواراتك ، والجنّة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك.
يا أبتاه ، ما أعظم ظلمة مجالسك ، فوا أسفاه عليك ، إلى أن أقدم عاجلاً عليك ، وأثكل أبو الحسن المؤتمن ، أبو ولديك الحسن والحسين ، وأخوك ووليّك وحبيبك ، ومن ربّيته صغيراً وواخيته كبيراً ، وأجلّ أحبابك وأصحابك إليك ، من كان منهم سابقاً ومهاجراً وناصراً ، والثكل شاملنا ، والبكاء قاتلنا ، والأسى لازمنا ».
ثمّ زفرت زفرة ، وأنّت أنّة ، كادت روحها أن تخرج ، ثمّ قالت :
|
قلّ صبري وبان عنّي
عزائي |
بعد فقدي لخاتم
الأنبياء |
|
|
عين يا عين اسكب
الدمع سحّاً |
ويك لا تبخلي بفيض
الدماء |
|
|
يا رسول الإله يا
خيرة الله |
وكهف الأيتام
والضعفاء |
|
|
قد بكتك الجبال والوحش
جمعاً |
والطير والأرض بعد
بكي السماء |
|
|
وبكاك الحجون
والركن والمش |
عر يا سيّدي مع
البطحاء |
|
|
وبكاك المحراب
والدرس للقرآ |
ن في الصبح معلناً
والمساء |
|
|
وبكاك الإسلام إذ
صار في النا |
س غريباً من سائر
الغرباء |
|
|
لو ترى المنبر
الذي كنت تعلو |
ه علاه الظلام بعد
الضياء |
|
|
يا إلهي عجّل
وفاتي سريعاً |
فلقد تنغّصت
الحياة يا مولائي |
قالت : ثم رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها ، وهي لا ترقأ دمعتها ، ولا تهدأ زفرتها.