مصارع الشهداء ومقاتل السعداء - آل عصفور، الشيخ سلمان - الصفحة ٣٥ - المصرع الثاني وهو مصرع فاطمة الزهرا صلوات الله عليها
أيّام لا يهدء لها أنين ، ولا يسكن منها الحنين ، وكلّ يوم جاء بكاؤها أكثر من اليوم الأوّل ، فلمّا كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن الكامن ، فلم تطق صبراً إذ خرجت وصرخت فكأنّها من فم رسول الله صلىاللهعليهوآله نطقت ، فتبادرت النسوان ، وخرجت الولائد والولدان ، وضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وجاء النّاس من كلّ مكان ، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات وجوه النساء ، وخيّل إلى الناس أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قد قام من قبره وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم ، وهي تنادي وتندب أباها : « وا أبتاه ، وا ضيعتها ، وا محمّداه ، وا أبا القاسماه ، يا ربيع الأرامل واليتاما ، مَن للقبلة والمصلّى ؟ ومن لابنتك الواهلة الثكلى » ؟
ثم أقبلت تعثر في أذيالها ، وهي لا تبصر شيئاً من عبرتها ، وتواتر دمعتها ، حتّى دنت من قبر أبيها ، فلمّا نظرت إلى الحجرة الطاهرة ، ووقع طرفها على المأذنة ، قصّرت خطاها ، ودام نحيبها وبكاها ، إلى أن أغمي عليها ، فتبادرت النسوة إليها ، فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها ، حتّى أفاقت من غشاها ، عادت إلى نحيبها وبكاها وهي تقول :
« رفعت قوّتي ، وخانني جلدي ، وشمت بي عدوّي ، والكمد قاتلي.
يا ابتاه ، بقيت بعدك والهة وحيدة ، حيرانة فريدة ، قد انخمد صوتي ، وانقطع ظهري ، وتنغصّ عيشي ، وتكدّر دهري ، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيساً لوحشتي ، ولا رادّاً لدمعتي ، ولا معيناً لضعف قوّتي ، قد فني بعدك محكم التنزيل ، ومهبط جبرئيل ومحلّ ميكائيل ، وانقلبت من بعدك يا أبتاه الأسباب ، وتغلقت دوني الأبواب ، فأنا للدنيا بعدك قالية ، وعليك ما تردّدت أنفاسي باكية ، لا ينفد شوقي إليك ولا يفنى حزني عليك ».
ثم نادت : « يا أبتاه ، يا أبتاه ». ثمّ أنشأت تقول :
|
إنّ حزني عليك حزن جديد |
وفؤادي والله صبّ عتيد |