الشيخ عبدالمنعم الفرطوسى حياته وادبه - المحلاتي، حيدر - الصفحة ٢٦٩ - خامساً دقة التصوير وتعميق الفكرة
ثمة ميزة هامة تجلّت في شعر الملحمة بوضوح وساعدت على إطالتها وازدياد أبياتها ، وهي تصوير الشاعر الدقيق الحاصل من تعميق الفكرة وتوسيع المحتوى والمضمون للأحداث والوقائع التاريخية. وقد وفّق الشاعر في هذا الشأن أيّما توفيق ، فقد استطاع أن يتغلّب على الإطالة المملة الحاصلة من التلاعب اللفظي الذي يكثر غالباً في مثل هذه المواضع ، باختياره الألفاظ الرشيقة والعبارات الرقيقة التي تنم عن ذوق رفيع وحس مرهف ودقيق امتاز به الشاعر وأجاد استخدامه.
ولتبيين هذه الفكرة نضرب مثلاً قول الشاعر في « دخول النبي صلىاللهعليهوآله إلى مدينة يثرب ». فقد استرسل في نقل هذا الحدث مصوراً الفرح الذي غمر الناس ، والبهجة التي عمّت الطيور والمروج والروابي احتفاءً بمقدم النبي الكريم صلىاللهعليهوآله :
|
هـذه يثرب وهذا ثـراهـا |
وهو مهـد الشريعـة الغـرّاء |
|
|
والمروج الخضراء تزهو ابتهاجاً |
والروابـي تضوع بالأشـذاء |
|
|
وعـذارى النخيل تهتـزّ بشراً |
مـن رفيف الجدائل الزرقـاء |
|
|
والصبايا وهـي الأقاحي ثغوراً |
تتهـادى بفـرحة وازدهـاء |
|
|
والأغاريد بالمسّـرات تشـدو |
فتعـجّ الأجـواء بالأصـداء |
|
|
وبطاح الثرى تسيـل احتشاداً |
وجمـوع الأنصار كـالأنواء |
|
|
كلّ هذا بشـراً بمقـدم طـه |
وابتهـاجـاً بخـاتـم الأنبيـاء |
|
|
والنبـيّ الأُميّ خيـر سـراج |
مستنيــر لـلأُمـة العميـاء |
|
|
منبع العلم ، والحضـارة علماً |
ورشـاداً مـن منبـع العلمـاء |
|
|
مشـرق النور والهداية أُفـقٌ |
شقّ بالنـور ظلمـة الصحـراء |