تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٢٠ - ٧٢٥٥ ـ محمود بن زنكي بن آق سنقر أبو القاسم بن أبي سعيد قسيم الدولة التركي ، الملك العادل نور الدين ، وناصر أمير المؤمنين
وثلاثة آلاف فرنجي كانوا معه ، وبقي ابنه صغيرا مع أمه بأنطاكية ، وتزوجت بابرنس آخر فخرج نور الدين في بعض غزواته فأسر الإبرنس الثاني وتملك أنطاكية ابن الأبرنس الأول وهو بيمنت ووقع في أسره في نوبة حارم [١] وباعه نفسه بمال عظيم أنفقه في الجهاد.
وأظهر بحلب السنة حتى أقام شعار الدين ، وغيّر البدعة التي كانت لهم في التأذين ، وقمع بها الرافضة المبتدعة ، ونشر فيها مذاهب أهل السنّة الأربعة ، وأسقط عنهم جميع المؤن ، ومنعهم من التوثب في الفتن ، وبنى بها المدارس ووقف الأوقاف ، وأظهر فيها العدل والإنصاف.
وقد كان صالح المعين الذي كان بدمشق وصاهره ، واجتمعت كلمتهما على العدو لمّا وازره ، وحاصر دمشق مرتين ، فلم يتيسر له فتحها ، ثم قصدها الثالثة فتمّ له صلحها ، وسلّم أهلها إليه البلد لغلاء الأسعار والخوف من استعلاء كلمة الكفار ، فضبط أمورها ، وحصّن سورها ، وبنى بها المدارس والمساجد ، وأفاض على أهلها الفوائد ، وأصلح طرقها ، ووسع أسواقها ، وأدرّ الله على رعيته ببركته أرزاقها ، وبطل منها الأنزال ، ورفع [٢] عن أهلها الأثقال ، ومنع ما كان يؤخذ منهم من المغارم كدار بطّيخ وسوق البقل ، وضمان النهر ، والكيالة ، وسوق الغنم ، وغير ذلك من المظالم ، وأمر بترك ما كان يؤخذ على الخمر من المكس ، ونهى عن شربه ، وعاقب عليه بإقامة الحدّ والحبس واستنقذ من العدو ـ خذلهم الله ـ ثغر بانياس وغيره من المعاقل المنيعة كالمنيطرة [٣] وغيرها بعد الإياس.
وبلغني أنه في الحرب رابط الجأش ، ثابت القدم ، شديد الانكماش ، حسن الرمي بالسهام ، صليب الضرب عند ضيق المقام ، يقدم أصحابه عند الكره ، ويحمي منهزمهم عند الفرّة ، ويتعرض بجهده للشهادة لما نرجو بها من كمال السعادة.
ولقد حكى عنه بعض من خدمه مدة ، ووازره على فعل الخير ، أنه سمعه يسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير ، فالله يقي مهجته من الأسواء ويحسن له الظفر بجميع الأعداء ، فلقد أحسن إلى العلماء وأكرمهم ، وقرّب المتدينين واحترمهم ، وتوخّى العدل في الأحكام والقضايا ، وألان كنفه ، وأظهر رأفته بالرعاية ، وبنى في أكثر مملكته آدر العدل
[١] حارم : حصن تجاه أنطاكية من أعمال حلب (معجم البلدان).
[٢] بالأصل : دفع ، والمثبت عن م و «ز».
[٣] المنيطرة : حصن بالشام قريب من طرابلس (معجم البلدان).